الباشا الأسيوطي.. السفير المصري وبطل الإسكواش الإنجليزي

كان الدبلوماسي المصري عبد الفتاح عمرو باشا ١٩٠٩- ١٩٨٨ على موعد مع خطوة فارقة (وإن لم تكن مواتية) في تحول البوصلة من الإمبريالية البريطانية إلى الإمبريالية الأمريكية، وإذا كانت ثورة يوليو 1952 قد أوقفت صعوداُ واثقاً لعدد من الشخصيات الواعدة، فإن عبد الفتاح عمرو باشا هو أول هؤلاء، فإن لم يكن فهو من أول خمسة منهم.

    

نعرف أن بعض ساستنا في عصر الليبرالية لقوا من احترام البريطانيين درجات متفاوتة، وأن بعضا آخر تعلّموا في بريطانيا واكتسبوا زمالة ثم صداقة بعض ساستها، وذلك من قبيل محمد محمود باشا، ونعلم أن بعضاً ثالثاً ربطتهم علاقة النسب بالبريطانيين من قبيل أمين عثمان باشا أو الرحلة مع البريطانيين مثل أحمد حسنين باشا أو العمل في سكرتارية البريطانيين العاملين في مصر مثل مكرم عبيد وأحمد حسنين باشا، لكن عبد الفتاح عمرو باشا تفوّق على هؤلاء جميعاً بطبيعة علاقته بالبريطانيين، ذلك أنه لعب الإسكواش لبريطانيا نفسها وأصبح كابتن الفريق البريطاني للإسكواش 1936، بعد أن فاز ببطولة الهواة 1930 ثم لعب في الفريق ما بين 1931 و1937 (فيما عدا عام 1934) وأصبح منذ العام قبل الأخير لمشاركته في الفريق البريطاني بمثابة قائد (كابتن) الفريق.

 

ولد عبد الفتاح عمرو باشا في 14 فبراير 1909 في أبو تيح ودرس في جامعة القاهرة ثم درس في بريطانيا، وفي الوقت ذاته سجّل نفسه محامياً أمام المحاكم البريطانية منذ 1931
قصته مع الرياضة والإسكواش

ومن الطريف أن عبد الفتاح عمرو باشا لم يكن قد مارس الاسكواش قبل سفره من مصر، وإن كان قد مارس رياضتي التنس والبولو، حتى إنه مثّل مصر في كأس ديفيز للتنس، ولا شك في أن صداقته الحميمة لأحمد حسنين باشا قد أفادته، وقد كان بينهما من فارق السن عشرون عاما (ولد حسين باشا في 1889 وولد عبد الفتاح عمرو في 1909) لكن عبد الفتاح عمرو باشا من دون هذه الصداقة كان قادراً على أن يُحرِزَ تفوّقاً ولمعاناً يتوافق مع موهبته وشخصيته المُتّزنة، وليس أدلُّ على اتزانه شخصياً من سلوكه بعد ثورة 1952، فقد عاش في بريطانيا وكأن ثورة لم تحدث في مصر، فلمّا هدأت الأحوال بقدوم السادات ذهب بنفسه إلى القنصلية ليُجدّدَ جوازه المصري وليحتفظ بجوازه القديم إذا أذن له المصريون، وكان من حُسن حظ مصطفى الفقي أن يكون هو نائب القنصل الذي حظي بمقابلة عبد الفتاح عمرو باشا والحديث إليه وتجديد جوازه وتصوير جوازه القديم، وربما أن أهم ما وراه الفقي من كل ذكرياته، كان هو ما رواه عن هذا اللقاء الذي سنُقدّمُ روايته عنه بعد قليل.

 

ولد عبد الفتاح عمرو باشا في 14 فبراير 1909 في أبو تيح ودرس في جامعة القاهرة ثم درس في بريطانيا، وفي الوقت ذاته سجّل نفسه محامياً أمام المحاكم البريطانية منذ 1931، وتلقّى دراسته في القانون الدستوري والبنوك والتأمين في جامعة أكسفورد. قبلها بعام اشترك عمرو في بطولة بريطانيا للهواة في الإسكواش، وقد أهّله هذا لأن يُسمى طريق بريطاني باسم مصر على نحو ما يُكرَّمُ أبطال الرياضة في بلاد تحترم معنى البطولة، كذلك فإنه ظل هاوياً للإسكواش حتى اعتزال اللعبة، رغم أنه فاز ببطولة بريطانيا المفتوحة 6 مرات، وبطولة بريطانيا للهواة 6 مرات أيضاً.

 

قصة تجديده لجواز سفره المصري

قبل أن نتحدث عن دور عبد الفتاح عمرو باشا في السياسة المصرية أحب أن نقرأ بعض فقرات هذا النص المطول والكاشف الذي كتبه الدكتور مصطفى الفقي عن اللقاء الذي قُدّرَ له أن يحظى به مع عبد الفتاح عمرو باشا في 1972، وقد تركنا النص كما هو وإن كنا أشرنا إلى بعض ما ينبغي أن نشير إليه:

   

"ذات صباح من صيف عام 1972، كنت أجلس بمكتبي بالقنصلية المصرية العامة في "لندن"، حيث أبلغني معاون الخدمة أن رجلاً كبير السن وقور المظهر يجلس في صالون المبنى، ويريد أن يُقابل القنصل المصري، وأضاف إن الرجل يُمسك في يده جواز سفر مصرياً قديماً عليه شعار "التاج الملكي"، فأظهرت رغبة عاجلة في لقاء ذلك المواطن المصري، الذي يبدو أنه شخصية ذات ثقل، وقُمت لاستقباله، حيث قدّم نفسه لي قائلاً: أنا "عبد الفتاح عمرو" سفير مصر الأسبق في "لندن" فأضفت إليه: "وأيضا بطل العالم في "الإسكواش" [الحقيقة أنه كان بطل بريطانيا]، والمستشار ذو الحظوة عند الملك "فاروق"، فأبدى الرجل سعادة بالغة لأنّ ديبلوماسيا مصرياً شاباً يعرف عنه هذه المعلومات. فأمسكت بيده في احترام شديد، واصطحبته إلى مكتبي، وجلست إلى جانبه على مقعد كبير في صدر المكان، وبالغت في تقديره وتوقيره، إيمانا منّي بأنّني أجلس على جانب شخصية تاريخية مهمة، تُعتبر واحدة من رموز العصر الملكي المصري".

 

"وقد بدا الرجل يتحدث بارتياح، وقال لي إنه لا يحمل أي ضغينة إطلاقاً للثورة المصرية ورجالها، فقد مضى [عشرون] عاماً على قيامها، ولم تعد تربطه بمصر أدوار سياسية، ولكن روابط وطنية، وأخرج جواز سفره من جيبه، وقال لي: "إنني أضع جواز سفري المصري والمُنتهية صلاحيته منذ أكثر من خمسة عشرة عاما على مكتبي بالمنزل، أتطلّع إليه كلّ صباح، لأتذكر الوطن الذي لا أنساه، وأنت كما تعلم أحمل جواز سفر بريطانياً، وكذلك أولادي، إلّا أن للجواز المصري رحيقاً خاصاً، لذلك سعيت إلى القنصلية العامة هنا ـ بعد تردّدٍ طويل ـ لتجديده، حتى أشعر بتواصل الانتماء للبلد الذي نشأتُ فيه ودُفن في أرضه آبائي وأجدادي".

  

ثم نتأمل في الصلاحيات التي يتصورها المصريون لأنفسهم: "فقُمت على الفور بإصدار التعليمات بتجهيز جواز سفر جديد للمواطن المصري "عبد الفتاح عمرو" وقُمت بتوقيعه وختمه وسلّمته إليه، وأنا اكاد أرى الدموع في عينيه، فقال لي: "إنّني أريد أن أستأذنك في الاحتفاظ بجواز سفري القديم للذكرى، لأنه مدوّن فيه أنني سفير ملك مصر والسودان في المملكة المتحدة، فوافقته على ذلك، بعد أن طلبت تصويره وختمه بخاتم الإلغاء، وقلت له إن لي رجاء عندك يا معالي "الباشا"، وهو أن تقبل دعوتي على الغداء اليوم، خصوصاً أننا قد انتهينا تماماً من موضوع جواز السفر، فقبل الرجل الدعوة شاكراً، خصوصاً أنه لم يكن يتوقّع ذلك الاستقبال وتلك المعاملة لسفير الملك "فاروق" في لندن، بعد عشرين عاماً من قيام الثورة!

 

"وعندما جلسنا إلى مائدة الطعام في واحد من المطاعم في منطقة "نوتنج هيل جيت" القريبة من شارع "كينجستون بالاس جاردنز"، حيث كانت توجد القنصلية المصرية العامة حينذاك، بدأت أفتح صندوق الذكريات القابع في أعماق ذلك الرجل الكبير، فقلت له: "إنني رأيت في طريقي إلى مدينة "أكسفورد" طريقاً يُسمى "Egypt Lane"، وعندما سألت عن السبب في التسمية، قيل لي أن تلك التسمية جاءت تكريماً لـ "عبد الفتاح عمرو"، البطل الرياضي العالمي والسفير المصري السابق".

 

"ولقد تذكرت ذلك اليوم مرة أخرى في شهر مايو عام 2009، وأنا أمر بالمنطقة نفسها أثناء زيارة أخيرة "لإنجلترا" ـ وعندما اندمج الرجل في الحديث، واستطرد في سرد ذكرياته، فاجأني بأسئلة طريفة منها قوله: أين الملحق الديبلوماسي "أحمد عصمت عبد المجيد"؟ فابتسمت وقلت له: إنه وزير سابق وسفير حالي، واسم لامع في سماء الديبلوماسية المصرية والعربية (عام 1972)، وعندما سألني عن شخصيات أخرى، أبلغته أن بعضها قد أحيل إلى التقاعد، وأن البعض الآخر قد ترك الخدمة ضمن عمليات التطهير، التي قامت بها حكومة الثورة في السلك الديبلوماسي المصري في الخمسينات ومطلع الستينات من القرن العشرين. ولقد بدأ الرجل يتحدث بموضوعية عن أخطاء العصر الملكي، متحفظاً في الحديث عن أخطاء العصر الجمهوري، مُعبّراً عن سعادته بالتوجهات الجديدة لحكم الرئيس السادات".

 

"وقد أمضيت ساعات ممتعة في صحبة ذلك الرجل، الذي كنت أشتمُّ منه رائحة التاريخ المصري الحديث، وأُمطرُه بوابل من الأسئلة، لكي أحرضه على مواصلة الحديث، الذي كان يتميّزُ بالرقي والترفع من دبلوماسي مخضرم، يُمثل عصراً بكامله. وفي نهاية اليوم ودعت ذلك الرجل، وكأني أودع قطعة غالية من قلب الوطن، ومضى الرجل سعيداً لا يُصدّق ما جرى في ذلك اليوم، الذي تصالحت فيه مصر الثورة مع العصر الملكي! وتطلع فيه شاب في مستهل حياته على من هو في موقع أبيه وأستاذه في الوقت ذاته، وقد أبرقتُ يومها إلى وزارة الخارجية المصرية ـ بعد استئذان القنصل العام "محب السمرة"، الذي بدا مرتاحاً لما فعلت، راضياً عن قيامنا بذلك التصرف الوطني الأخلاقي الواجب ـ أبلغها بالإجراءات التي اتخذناها، وبصورة جواز السفر الملكي، الذي أرسلته في الحقيبة الديبلوماسية التالية، ولحسن الحظ لم يرد إلينا من الوزارة أيّ اعتراض أو لوم..".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة