مشاركة السادات في اغتيال الوزير الوفدي أمين عثمان

بعد أن هرب أنور السادات من المعتقل، اشترك في محاولة جريئة لقتل أمين عثمان.. ومن المهم هنا أن نشير إلى ظروف اغتيال أمين عثمان بقدر من الشرح والإنصاف والحديث عن حقيقة الأمور.. فبعض الناس يصور أمين عثمان على أنه خائن.. وعلى أنه كان ضد الحركة الوطنية.. وعلى أنه كان مجرد رجل من رجال الإنجليز.. أو على أنه إنجليزي أصلا وفصلا ووصلا.. وكل هذا تجاوز للحقيقة لأن أمين عثمان كان وزيرًا للمالية في وزارة الوفد وكان وزيرًا وفديا محترما.. وهو الرجل الذي تولى صياغة كثير من صور التعاون الذي كان لا بد منه مع دولة الاحتلال التي لم تقطع ذيولها بعد.. ولولا جهود أمين عثمان المخلصة لحدثت مشكلات كثيرة جدًّا.. ولولا وجوده وقدرته على التعامل مع البريطانيين.. وقدرته على خدمة حكومة الوفد بأمانة وإخلاص (حسبما يعتقد أنه في مصلحة وطنه) لفقد الوطن كثيرًا من المكاسب التي كان يجنيها بالتدريج من خلال تعاون إجباري مع محتل متغطرس.

 

كان أمين عثمان يظن أن مصلحة وطنه في وجود ارتباط جيد وتعاون وثيق مع الإنجليز، قد نخطئه في هذا.. لكننا لا نستطيع أن نحول هذه التخطئة إلى اتهام بالخيانة ولا إلى اتهام بالعمالة.. فأمين عثمان كان رجلا كفئا.. واستطاع أن يحقق نجاحات كثيرة بوصفه رجل مالية. وبوصفه رجل دولة.. ورئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات (وكان اسمه في ذلك الوقت ديوان المحاسبة).. وفي الوقت نفسه، فإنه استطاع أن يمد جسور التعاون وجذور التفاهم المرحلي على أقل تقدير بين الوفد والسفارة البريطانية والسلطات البريطانية حتى في لندن.

 

هذا الحديث المنصف الذي أتحدث به عن أمين عثمان قد لا يكون له محل في الحديث عن أنور السادات.. لأنه ببساطة كان من الذين قتلوا أمين عثمان أو من الذين اشتركوا في قتله أو على أقل تقدير كان من الذين ودوا لو أن أمين عثمان قد قتل

والواقع أن معظم التشنيع والظلم الذي أحيطت به شخصية أمين عثمان كان صادرًا عن الرجل الذي ظن أنه أوذي بوجود أمين عثمان وصعود نجمه، وهو مكرم عبيد.. لأن مكرم عبيد كان متعلما في إنجلترا مثل أمين عثمان.. وكما صعد مكرم عبيد في الماضي في بداية ثورة ١٩١٩ على أنقاض أو على حساب وجود محمد محمود باشا خريج الجامعات البريطانية.. حدث نفس الشيء كما نري، وكان صعود نجم أمين عثمان مبشرا بأفول نجم مكرم عبيد بسرعة أيضًا.

 

وبالإضافة إلى مكرم عبيد، فقد كان نجم القصر الملكي أحمد حسنين غير مرحب بالطبع بالدور الذي يلعبه أمين عثمان لصالح الوفد لدى البريطانيين. وبرغم كل الكتابات التاريخية التي تناولت هذه الفترة.. وبرغم كل التحليل المتاح للكتاب الأسود وقصته ودور القصر في حث مكرم عبيد على تأليف الكتاب الأسود.. وبرغم دأب قوى القصر الملكي في استثمار حادث ٤ فبراير ضد الوفد وضد الحركة الوطنية.. برغم كل هذا فإن معظم الأقلام الراوية للوقائع لا تنتبه إلى حقيقة أن الذي أثار حفيظة الشباب وأثار حفيظة بعض المصريين ضد أمين عثمان كانا هما مكرم عبيد، وأحمد حسنين باشا..

 وكل منهما كان على علاقة وصلت إلى درجة العلاقة الوظيفية بالإنجليز.. فقد كانا في بداية حياتها موظفين إنجليزيين، وذلك قبل أن ينفخ سعد في نار الوطنية.. وكلاهما تعلم في بريطانيا.. ثم عمل هذا وذاك موظفًا ضمن الموظفين العاملين مع سلطات الاحتلال البريطاني.. أما أمين عثمان (الذي كان على خلاف سلفيه متزوجا من بريطانية)، فقد كانت له مثل مكرم عبيد توجهات وفدية.. وانتماءات وفدية.. وإخلاص للوفد.. ومن المؤكد أنه أفاد بهذه العلاقات الوفد أكثر مما نفع بها البريطانيين.. في حين أن سياسة مكرم عبيد، وأحمد حسنين كانت أقرب إلى السياسة الأنانية منها إلى السياسة الوطنية، وكانت أقرب إلى المشروع الشخصي منها إلى المشروع الوطني.

 

ومع أن مكرم عبيد باشا سار خطوات طويلة في التيار الوطني، فإنه ختم حياته بعقد كامل انحاز فيه ضد الأغلبية وضد التيار الوطني. وهكذا كان كل رجل من الرجلين اللذين ظلما أمين عثمان يفكر في نفسه قبل أن يفكر في وطنه. ومن الطريف أن هذا وذاك قد تمكنا من أن يصور ملامح لشخصيته في الوجدان المصري من خلال علاقات متصلة برجال القلم والصحافة، وقد بذل كل منهما جهوده في الإلحاح على تصوير نفسه في صورة المثقف (مكرم عبيد) أو المثقف الرحالة (أحمد حسنين).. وبالطبع فقد آتت بعض هذه الجهود أُكلها في ظل انفراد عدد غير قليل من الصحفيين بمزايا الحديث عن هؤلاء الأعلام، بينما كان أمين عثمان، في المقابل، معنيا بما آمن به دون أن يرسم لشخصيته رتوشا أو يحفر لها نقوشا.

 

والواقع أن المتأمل لجهد مكرم عبيد، وأحمد حسنين في الفترة التي سبقت وفاة أمين عثمان يجد أن بعض تصرفاتهما كانت ـ ربما بغير وعي منهما ـ تصب ضد مصلحة الحركة الوطنية، دون أن يكون لهذا مقابل يصب في مصلحتهما الشخصية المباشرة، إلا أن يكون في تنفيس الحقد والأخذ بالثأر، من دون أن يكون لهذا الثأر مقابل يحقق مصلحة!! وذلك على النقيض من أمين عثمان.

 

هذا الحديث المنصف الذي أتحدث به عن أمين عثمان قد لا يكون له محل في الحديث عن أنور السادات.. لأنه ببساطة كان من الذين قتلوا أمين عثمان أو من الذين اشتركوا في قتله أو على أقل تقدير كان من الذين ودوا لو أن أمين عثمان قد قتل على يد غيرهم لو لم يقتل على أيديهم.. لكن القارئ للتاريخ بصدق يجب أن يعرف أن أنور السادات كان (بالرغم من هذا العمل الذي صوره لنفسه على أنه نوع من أنواع الإنجاز!!) ضحية لتصرفات أو إقناعات أو لاقتناعات أو لحملات منظمة نالت من أمين عثمان حتى أقنعت شابا وطنيا نزيها مخلصا مثل أنور السادات أو غيره من الذين شاركوا في هذه المحاولة أنه يسهم بقتله أمين عثمان في حل القضية الوطنية.. وهذا تصور خاطئ.. لكن أنور السادات تورط فيه.

 

على أن هذا التورط من حيث هو «تجربة إنسانية» ربما أفاد أنور السادات فيما بعد أكثر مما أفادته تصوراته أو مشاركاته الإيجابية.. ونحن أحيانا نتعلم من أخطائنا أكثر مما نتعلم من خطواتنا الصائبة.. ومع أن بعض خطواتنا المخطئة تعود إلى سلسلة أخرى من الأخطاء، فإن خطواتنا المخطئة قد تُعلمنا.. وقد فهم السادات من قضية أمين عثمان كثيرًا عن حقيقة التعامل مع العدو ومدى ما يمكن للسياسة أو السلاح أن يلعبه من دور.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة