لَقدْ تزوّجتُ يَا أبي!

BLOGS زواج

عند باب سيارة العرس المُزينة بالشرائط والورود، ودّعتُ اخوتي، تعانقنا طويلا، لأتكوّر بعدها في حضن أمي كجنين ما اكتملْ، فاضتْ بكاءاتنا معا؛ بكينا لحظتها كما لم نبكي يوما، بعد أن هممت بكلمات غير مفهومة وسط شلاّل من الدّموع وكأنها تودّعني لمثواي الأخير. صمتٌ رهيب أعقب مهرجان أصوات المنبهات والزغاريد المجلجلة التي صاحبتني من قاعة العرس. انطلقت بي السّيارة تاركة عيناي تسبحان في الفراغ، وصوت أمي المسافر في دمي يهز أركان القلب والروح.

   

كانت المسافة الفاصلة بين بيتنا وبيت زوجي أي بيتي الجديد، كافية لأسترجع فيها شريط أربع وعشرون عاماً من عمري على هذه الأرض. شريط حافل بصور الأعياد، بكثير من روائح الحلوى المحشوة بلوز الفرح وسكاكر الأمنيات، وصور أخرى للجنائز والألم المكتمل الأركان. عندما تزوج والداي لم يكن بحوزتهما شيء غير الحب وقلوب ملأها القناعة والرضى والايمان الذي لا ينضب له مُعين، ومنزل فسيح تغازل أشعة الشمس الأريكة -الوحيدة التي كانتْ تتوسطه- كل صباح، ليملأه بعد سنوات الأثاث الذي جلبه الكدّ والتضحية والصّبر.

  

ولأني الابنة البكر لدى والداي، نعمتُ بكثير من الحب والدّلال، كنت الطفلة المدللة المشاكسة التي يغريها اللعب بالدّمى وبالبالونات الهاربة نحو السماء، وحين يرهقها الفرح تغفو على كتف أبيها وهي تبتسم. كان كلّ شيء بسيطا هادئا وجميلا، عشت طفولتي كبقية الأطفال بكثير من الشقاوة والصّخب الباذخين، إلى أن حل ذاك اليوم الكئيب، كضيف ثقيل على الفؤاد أطفئ تلك الشعلة المضاءة كمصابيح الأعراس داخلي، تسلل الموت على غفلة مني ومنك ليأخذك ونحن لم نقترف بعد سويّة ما يكفي من الحياة حتى يظفر بك قبر بارد كقلبي.

 

ما زلتُ أتذكر ملامح وجه أمّي الشاحب ودمعٌ حارّ يسيلُ من عينيها الواسعتين الكحيلتين لمّا رنّ هاتفها ليخبروها أنك نُقلت إلى المستعجلات على إثر نوبة قلبية فُجائية ألمّت بكْ

ما زلت أتذكر ملامح ذاك اليوم الذي رحلت فيه دون سابق انذار وأنت ما تزال في مقتبل عمرك، كان الفصل شتاءا باردا، أوراق صفراء مُتناثرة هنا وهناك، أشجار يابسة بدون ألوان، كشدة خوفي من الفقدان، وثلج غطي كل الجبال المحيطة بالدّوار. لم يكن قد مر أسبوع على عيد الأضحى الذي احتفلنا به معاً، كنت حينها أنيقا جدا بجلبابك الجديد وأنت تحضر صلاة العيد. كمْ كُنت رجلاً أنيقاً يا أبي، تولي عناية دائمة لثيابك وتناسق ألوانها، وكم كنتُّ أحبّ عطرك المُفضّل الذي كنتَ تضعه، ما زال عبقه راسخا في الذاكرة كثقل الرّوحِ فيّ. كُنتَ رجلاً دائم الابتسام عن أسنان مُصطفّة، ابتسامتك كانت لنا فاتحة الرّضى والاطمئنان. كنت رجلا طيبا محبوبا؛ لم أسمعك قطّ تنبس بعيب، ولم أراك يوماً تجرح نفسا.

 

ما زلتُ أتذكر ملامح وجه أمّي الشاحب ودمعٌ حارّ يسيلُ من عينيها الواسعتين الكحيلتين لمّا رنّ هاتفها ليخبروها أنك نُقلت إلى المستعجلات على إثر نوبة قلبية فُجائية ألمّت بكْ. ربما كانت لحظتها أول وآخر مرة كنتُ قدْ رأيتُ فيها دَمْعَ أمي قبل هذا اليوم. ثلاثة عشر سنة مرت إلى الآن، كُنت ألملم فيها عيناي منْ بِركة البكاء من الشوق الذي صبّ سوط َعذابه عليّ، ومن الحُزن الذي لم تمتصّه السّنُون ولم يسْحقه الزّمن، لقد انفلتت الدّمية من يداي يا والدي يوم رحلتْ وشاخت الطفولة على حين غرّة داخلي، فغدوتُ كعجوزٍ تقف على ناصية الموت، لقد نفضتُ كل مباهج الحياة على قلبي كما تنفض الجدّات زرابي لا يفترشنها أبدا.

 

كل شَيء تغيّر ولم تعد الحياةُ كما كانتْ من قبلْ، رحيلُكَ كان كمشنقة فصلتني عن بُؤرة الحياة، انسلختُ بعده من ضجيج هذا العالم ومُحاولاته البئيسة أنْ يربتَ على كتفي ويُقنعني أن ما حدث قدرٌ لا مفرّ منه، وأنّ الإنسَان وُلِدَ ليموتْ، انخرطتُ في صمتٍ وهدوءٍ جاثمين اغتالاَ كُلّ مُسببات الفرَح بقلبي، كرصاصةِ صِهيُوني تُمزّق حُلم طفلٍ بكل حبور. كم هو فظيع أن نألف الصّمت يا أبي! أن نتوارى عن الحياة ونعزفها على أوتار بكماء لا صوتَ لها ولا لونْ! كمْ هُو مُوجعٌ يا والدي أنْ أعُدّ حبّات بَرد ديسّمبر دُون مِعطفكَ الأسود ذاك الذي كان يدفئني! وَحيدةً صِرْتُ بعدَ رحيلكْ، عبثاً أحاولُ كلّ ليلة أن أنفض قارورة عِطْركَ وألفُّني في جلبابكَ وأنامْ؛ زاهدةً في كلِّ شيء، طامِعةً في دفئكَ حتّى ولوْ في الأحلام.

 

سنوات من الألم، من لوعة الحنين، من الأحزان التي حاصرني وسط حيطان العزلة المقيتة، كبرتُ بعدها مُعتقدةً أنّ الزمن سيُنسيني ما خلّفه منْ جراح، لكنّه لم يفعلْ يا والدي! كبرتُ وأنا أفكّر كلّ يوم في معنى حياتي التي تذوب أمام ناظري فوق نيران الزمن الهادئة، أستحضر كلّ الأشياء التي كانت ها هنا بالأمس وذهبت مني اليوم: الفرح، الأمان، الابتسامة، يديك الدافئتين أبي..! أغمض عيناي كلّ ليلة مُمدّدة جنبَ الرّاديو؛ منهكة بلا سبب، ذابلة كغصن بلا أوراق، أُصغي بكامل طبلات أذناي لِ «لارَا فابْيانْ» وهي تغنّي بكلّ الوجع الذي يُمزِّقُ الوجود: (Je suis malade، je suis comme un oiseau mort quand toi tu dors) ثُمّ أتلاشي مع الإيقاع كما تتلاشي أنفاس العصفور الذي لعبت به أيادي صِبْيةٍ طائشين.

هي هكذا الحياة يا أبي؛ قطارٌ ينطلقُ بنا على سكّة العمر راجعا بين الفينة والأخرى نحو الخلف ليستريح في محطات جراحنا وضعفنا
 

ها أنا اليوم أبلغ أربع وعشرون عاما من عمري في هذه الحياة، كم سريعاً مرّ الوقت يا أبي؟! اليوم تزوجتُ، وها أنا أغادر بيتك رفقة الذي اخترته حبيبا وشريكا، تمنيتُ كثيرا حضورَكُ فَرِحاً لفرحي ولو أنّك في الذاكرة دائمَ الحضور. كُنْ مُطمئنا عليَّ أبي، فَحبيبتُكَ أمّي لمْ تكنْ لِتمُدّ يدي لرجلٍ لا يُشبُهكْ!

أمّي؛ تلك الشَّابة الجميلة التي تَركتَها بكامل مِشمشها يوم غرسوك في رحم الأرض، عاشتْ كلّ هذه السّنون على حبّك وذكراكْ، هي التي عاركتْ الزّمنَ وحيف الحياةْ لتجعلَ منّا ما نحنُ عليه اليوم؛ تماماً كما كُنتَ تتمنَّى يا والدي! لم يثنيها أي شيء على أن ترعى وتُربي وتُدَرّس أربعة أطفال وتفيض عليهم حنوّا كسماء كانُون. لقد كان لها كُلَّ الفضل بعد ربّي، في أنْ أُلوِّنَ السّوادَ القاتمَ في جوف الأملْ، وأستعيدَ إيماني بالحياة. هي التي علمتني كيف أدثرني بالصبر وأضع أوجاعي على سجادتك وأنا أبعث لك الدّعاء بالرّحمة مِدْراراً. ما زلت إلى اليوم أتأمل كل هذا الوفاء الغريق بأحداقها، وكل هذا الحبّ الذي لم تُشوهه ديدان الموت، لأتأكد للمرة الأف أن أمي أعظم سيدة في الوجود.

أتذكرُ اللحظة كل هذا وأضحك بتهكّم مضمر على هذه الذاكرة التي تخونني أحايينَ كثيرة في تذكُر أبسط التفاصيل لكنها تأبى هذه الليلة خصيصا، إلا أن تعود بي إلى محطات خلت لتذكرني بعُصارة كل هذا الحبّ والدّموع. هي هكذا الحياة يا أبي؛ قطارٌ ينطلقُ بنا على سكّة العمر راجعا بين الفينة والأخرى نحو الخلف ليستريح في محطات جراحنا وضعفنا. لكن لا عليكْ، فأنا سَعيدة رغم كلّ هذا الألم، سعيدةٌ لأني في هذه اللحظة سأبدأ حياة جديدة رفقة من وجدتُ فيه الكثير منك أبي، وسعيدة كذلك لأني أصبحتُ أكثرَ يقينا من ذي قبلْ، أننا سنلتقي يوماً ما، هناك في الجنّة، وسنركض كثيرا معا-على ضفاف الكوثر- حتى نظمأ، لنرتوي بعدها من ماءه العذب، ثم نجلس تحث ظلال شجر الجوز، نستظل بظله كما كنّا نفعل قبلْ، ونحن نصنعُ دُميةً من قصبِ الذّرة، نكسوها بقماش جميلْ، ونُسمّيها " تِسْلِيتْ".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة