عمرو بن كلثوم.. مُلهم الشباب القوة والشجاعة!

عمر بن كلثوم.. إنه ذلك الشاعر الفذ أحد أبرز أصحاب المعلقات السبع، الذى وصفه "الكُمَيت" الشاعر بأنه أشعر الناس، بل إنه ذلك المغوار الفتاك الذى ضُرب المثل بفتكه فقيل: "أفتك من عمرو بن كلثوم"[1] وذلك بسبب فتكه بعمرو بن هند، وما كان لشاعر مثله إلا أن يكون فتاكاً شجاعاً وهو القائل:

وَإِنَّا سَـوْفَ تُدْرِكُنَا المَنَـايَا              مُقَـدَّرَةً لَنَـا وَمُقَـدِّرِيْنَـا

 

فقد اجتمعت بشاعرنا سمتين بارزتين ندر تلازمهما فى شخصية واحدة، فهو شاعر متمكن ذو فخر وهجاء؛ كما أنه فارس مغوار صاحب سيف بتار؛ ولذا فقد شاع فى شعره الفخر والحماسة كما شاع فيه التهديد والوعيد، ومن ذلك ما قاله متوعداً ملك الغساسنة:

ألا فاعلم أبيتَ اللعن أنّا                  لى عَمْد سنأتي ما نريد

تعلّم أن مَحملنـا ثقيـلٌ           وأن زنادَ كَبَّـتنا شديـد

وأنّا ليس حيٌّ من مَعَـدّ                  يوازينا إذا لُبس الحديـد

 

نشأ عمرو بقبيلة تغلب؛ تلك القبيلة المرهوبة الجانب[2] فنشأ معجباً بنفسه فخوراً بأهله وقومه، وكان فارساً وشاعراً وكريماً وهذا ما جعله يسود قومه وهو فى الخامسة عشرة من عمره[3] ويُقال أنه ولد بالطائف، وإن كان موطن وتاريخ ولادته غير مؤكدين، أبوه كلثوم بن مالك بن عَتّاب وكان أفرس العرب[4]، أما أمه فهى ليلى بنت مهلهل بن ربيعة فارس حرب البسوس؛ والتى أراد أبوها أن يقتلها لكرهه أن يكون له بنت، ثم رأى رؤيا تُنبئ أنْ سيكون من نسلها ولد يسود قومه، فأبقى عليها، ثم لما تزوجت رأت رؤيا تؤكد رؤيا أبيها، فأنجبت عمرًا الذي ساد قومه صغيرًا[5]، وتزوج عمرو من ابنة ثوير بن هلال النمري، والتى أشار إليها في قوله:

بكَرَتْ تعذلني وسْط الحلال              سَفَهاً بنتُ ثوير بن هلال

 

حمل عمرو راية قومه في عدد من الأيام (المعارك) منها: يوم خَوّ على بني فزارة، ويوم وادي الأخرمين على بني صُدَاء من مَذْحِج، ويوم نَطاع على بني سعد من تميم، وهذه المنزلة العظيمة جعلته لا يمدح أحدًا من الملوك

كان عمرو طويل القامة، ممشوق القد، مفتول العضلات، مستوي البطن والصدر، عريض المنكبين، حاد الملامح، حنطي البشرة، رائحته كالخزامى، وكان غض الطرف عديم الفحش، فصيح اللسان، قال عنه سيدنا حمزة بن عبدالمطلب: رأيت عمرو بن كلثوم في عكاظ تكسوه الهيبة والأبهة، وكان عمرو رحالًا كثير الأسفار جال الأرض شرقًا وغربًا فذهب للهند وبلاد الروم والحبشة وغيرها حتى أنه توفى بالعراق بعد أن عمر طويلاً[6].

 

وقد حمل عمرو راية قومه في عدد من الأيام (المعارك) منها: يوم خَوّ على بني فزارة، ويوم وادي الأخرمين على بني صُدَاء من مَذْحِج، ويوم نَطاع على بني سعد من تميم، وهذه المنزلة العظيمة جعلته لا يمدح أحدًا من الملوك، ولم يرضَ لقومه أن يكونوا تابعين لأحد، وكانت الملوك تبعث إليه بحبائه وهو في منزله من غير أن يَفد إليها، حتى أنه قيل أن ملك اليمامة عمرو بن لبيد الكندي قد أضمر الحقد عليه لما عرف عنه من شدة فخر وتباهٍ وتشامخ؛ فراهن أصحابه على أن يجعل والدة عمرو بن كلثوم خادمة لأمه، فذهب وزير الملك إلى الطائف ودعى عمرو ووالدته الى مأدبة غداء في قصر ملك اليمامة، وكان قد دبر الملك عمرو الكندي مع والدته هند بنت الحارث المكيدة، وقال لها: اصرفي الخدم واطلبي من ليلى بنت المهلهل أن تخدمك؛ فقالت: لك ذلك؛ وأثناء الحفل أشارت إلى جفنة على الطاولة وقالت: يا ليلى ناوليني تلك الجفنه، فأجابتها: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها وألحت، فصاحت ليلى: وا ذلاه! يا لَتغلب!، فسمعها ابنها فثار الدم في وجهه وكان جالساً مع عمرو بن هند في حجرة مجاورة ثم أخذ بسيف معلق وقتله به ثم أمر رجاله خارج القصر فقاموا وقتلوا حرس الأمير، وخربوا قصره، ونهبوا خزائنه وانصرفوا ولم يصب أحد منهم بسوء[7]، وفى ذلك غنى الشاعر التغلبى "أفنون" مفتخراً:

لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا     لتخـــــــدم ليلى أمـــــه بموفَق

فقام بن كلثوم إلى السيف مصلتاً      فأمسك من ندمانه بالمُخنَـــــق

 وجلَله عمرو على الرأس ضربة     بذى شطب صافى الحديد رونَق

 

وعاد عمرو بن كلثوم الى الحجاز وألقى معلقته الشهيره في عكاظ أمام حشد من وجهاء العرب والأدباء والشعراء، التى مطلعها:  

أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا             وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِيْنَـا

مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيْهَـا             إِذَا مَا المَاءَ خَالَطَهَا سَخِيْنَـا

تَجُوْرُ بِذِي اللَّبَانَةِ عَنْ هَـوَاهُ           إِذَا مَا ذَاقَهَــــا حَتَّـى يَلِيْنَــــا 

 

فأصبح من يومها ملهم شباب العرب القوة والشجاعة، وما أجمل تلك الأبيات التى تبين عزة هذا الفارس المغوار الذى هابه الملوك والشجعان، إذ يقول مفتخراً:

بِأَنَّـا المُطْعِمُـوْنَ إِذَا قَدَرْنَــا              وَأَنَّـا المُهْلِكُـوْنَ إِذَا ابْتُلِيْنَــا

 وَأَنَّـا المَانِعُـوْنَ لِمَـا أَرَدْنَـا              وَأَنَّـا النَّـازِلُوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَـا

وَأَنَّـا التَـارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَـا             وَأَنَّـا الآخِـذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَـا

وَأَنَّـا العَاصِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا             وَأَنَّـا العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً                  وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا

 

وانظر اليه وهو يختم معلقته بهذه الأبيات التى تظهر مدى ما وصل إليه من عزة وجبروت إذ يقول:

 إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفـاً                أَبَيْنَـا أَنْ نُقِـرَّ الـذُّلَّ فِيْنَــــا

  مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا           وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا

 إِذَا بَلَـغَ الفِطَــــــامَ لَنَا صَبِـيٌّ             تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

[1] – أبو هلال العسكرى، جمهرة الأمثال، 384

[2] – وهى القبيلة التى قيل فيها: "لو أبطأ الإسلام قليلاً لأكلت بنو تغلب الناس" كما ذكر الخطيب التبريزى في شرحه للقصائد العشر ص318

[3] – إميل بديع، يعقوب، ديوان عمرو بن كلثوم، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربى، بيروت 1991، ص 10  

[4] – محمد على الحسينى، معلقة عمرو بن كلثوم، الطبعة الأولى، دار الكتب الوطنية، أبوظبى 2012، ص13

[5] – للمزيد انظر: رحاب عكاوى، شرح ديوان عمرو بن كلثوم التغلبى، الطبعة الأولى، دار الفكر العربى، بيروت 1996، ص 5-19 

[6] – للمزيد انظر: عمرو بن كلثوم، موقع نادى العرب.

[7] – ابوالفرج الأصفهانى، الأغانى، 11/47-48



حول هذه القصة

تعيش السويد على وقع فضيحة سوء سلوك جنسي هزت الهيئة المانحة لجائزة نوبل للأدب، وتشهد المحاكمة اليوم الاثنين المرافعات الختامية قبل النطق بالحكم ضد زوج العضو بالأكاديمية الشاعرة كاتارينا فروستينسون.

24/9/2018

أعلنت مايكروسوفت أن تطبيق سكايب سيدعم سماعات أمازون “إيكو” الذكية المزودة بالمساعد الصوتي أليكسا قريبا، حيث سيتمكن المستخدم من إجراء الاتصال واستقبال المكالمات بواسطة أوامر صوتية عبر أليكسا.

24/9/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة