ماركس ونيتشه وروسو.. هكذا نقدوا الليبرالية وحذَروا العقلانيين!

شرعت الليبرالية في تحديدِ شرائط التقدم، أنها تؤمنُ أن الحقوق المتساوية وحرية التعبير، يؤسسان قاعدته، لذا ترفضُ تركُزاتِ السلطة، ولأن الجماعات المُسيطرة تميلُ لإساءة إعمال اِمتيازاتها، وتضطهدُ الآخرين، وتفسدُ الصالح العام. كما تؤكد على الكرامة الفردية، مما يعني أنه لا يمكنُ لأحدٍ أن يُجبرَ الآخرين على التخلي عن معتقداتهم. بطرقٍ مختلفة، رفضَ روسو، وماركس، ونيتشه، هذه الأفكار، ووضعوها تحت الرحى.

كان روسو (1712 – 1778) الأكثر تشاؤماً، بشكلٍ صريح، اِعتقدَ ديفيد هيوم، وفولتير، ومعاصرو روسو الآخرين، أن التنوير يمكنُ أن يبدأ في وضعِ حدٍ لكثيرٍ من أخطاء المجتمع. بينما أعتقد روسو، أن مصدرَ تلك الأخطاء، هو المجتمع ذاته، يناقشُ أن البشرية حرة، فيما يُسميه «الحالة الطبيعية» فمفهومُ عدم المساواة، لا معنى له؛ لفردية الإنسان الطبيعي، أي، ما قبل تأسيس المجتمع. تم وضعُ العصا في العجلة، عندما قام شخص بإقامة سياجٍ للأرض وأعلن: الملكية. "أُعدمت المساواة، وخُلقت الطبقات، وحُوّلت الغاباتُ الشاسعة إلى حقولٍ تُسقى مع عرق الرجال، وسرعانَ ما شُوهدت العبودية، لتنمو جنباً إلى جنب مع المحاصيل".

فلسفةُ روسو، غدت محاولة للتعامل مع تهافت مجتمع الطبيعة. يفتتحُ "العقد الاجتماعي": "يولدُ الإنسان حُراً، وفي كل مكان، تُختلق القيود". فالنظام الاجتماعي ليس طبيعةً بما هو قائم على الاتفاقيات، أما العقد الاجتماعي فهو للحد من الضرر، الذي تُخلفه السياسة. ويقول إن السيادة تعود للأفراد، والحكومةُ خادمةٌ الشعب، وتحتاجُ ولايته لكسب الشرعية، ودورياً يمكنهم استبدالها، قبل قرنين ويزيد، وفي مجتمع الملكية والأرستقراطية، كان هذا ثورياً. في قوله: "دائماً ما تكون القوانين مفيدةً؛ لأولئك المالكين، وتضرُ بأولئك الذين لا يملكون شيئاً".

اِعتقد ماركس (1818-83) أن التقدمَ لن يأتِ عبر النقاشات، بل عن طريق مادية الصراع الطبقي عبر التاريخ. ومثل روسو، اعتَقدُ أن المجتمعَ – خاصةً في أسسه الاقتصادية – كان مصدرَ الاضطهاد

وبالتالي، فإن المساواة، وإن لم تكن غايةً في حد ذاتها، يَجِبُ أن تُطبق كطريقةٍ للتصدي للرغبات والأنانية الذاتية، التي يولدها المجتمع عند الأفراد. "من أجل ألا يكون الميثاق الاجتماعي صيغةً فارغة، كل مَن يرفضُ إطاعة الإرادة العامة، يَجِبُ أن يكون مُجبراً عليه، مِن قِبل النظام كله: أي، أنه يضطر إلى أن يكون حراً".

استولى الثوريونَ على تلك الصيغة كمبررٍ للاستغلال الاستبدادي للعُنف، سعياً وراء الطغيانية، لكن فيما يتعلقُ بتشاؤمِ روسو، فإن فكرة الإرادة العامة تنقل الناس من حالة الطبيعة، إن روسو صاغَ أعظم فكرة مُضادة لفكرة الثورة. ومع ذلك، فإن هذا التسلسل الفكري غير المنقطع من الإطلاق إلى الإكراه، حتى في شكله الأكثر اعتدالا، يقاومُ الليبرالية. عندما تُجبر السلطة، الفرد على التصرفِ ضد إرادته الحرة، دون عوائق من أجل مصلحته الخاصة، فإنها تستحضرُ شبح روسو.

اِعتقد ماركس (1818 – 1883) أن التقدمَ لن يأتِ عبر النقاشات، بل عن طريق مادية الصراع الطبقي عبر التاريخ. ومثل روسو، اعتَقدُ أن المجتمعَ – خاصةً في أسسه الاقتصادية – كان مصدرَ الاضطهاد، في عام 1847 قُبيل الاضطرابات التي اجتاحت أوروبا، كتبَ: "في اللحظة التي تبدأ فيها الحضارة، يبدأ الإنتاجُ، على أسس العداوة، للسلطة، والملكية، والطبقات، وأخيراً على عداوة العمل المتفاقم، والفوري: "لا خصومة، لا تقدم" هذا هو القانون الذي اِتبعته الحضارة حتى أيامنا".

يسيطرُ الرأسماليون على الفائضِ، الذي أنتجتهُ الأيدي العاملة، وهكذا تحّول الرأسمالية، العُمالَ إلى سلع، وتُحّرم إنسانيتهم. في حين أن البرجوازي يشبعُ شهيتهم، يَجِبُ على العُمال تحّمل العيش في حلقةٍ مفرغة. لهذا السبب، تحتوي الرأسمالية داخلها علات سقوطها. في النهاية، سينهض العُمال ليجرفوا البرجوازية، والبروليتاريا، ويخلقوا نظاماً عادلاً، هذه الوظيفةُ الثورية، لا تقعُ على عاتقِ قائد بطوليّ، كما نيتشه، ولكن على العُمال كطبقة.

كتبَ ماركس مع فريدريك أنجلس، في عام 1844: "ما هي البروليتاريا؟" وبعد أربع سنوات، في فاتحة "البيان الشيوعي" تنبأوا بالثورة: "إن شبحاً يتهددُ أوروبا – شبحُ الشيوعية". يعتقد الليبراليونَ أن جميع الأفراد يشتركون في نفس الاحتياجات، الأساسية على الأقل، لذلك فإن الحقوق المُشتركة وسياسةَ التضامن، يمكنُ أن يؤديا إلى عالمٍ أفضل، اِعتقد ماركس أن هذا الرأي، كان في أفضل الحالات وهماً، وفي أسوأها، خديعةً شريرة، لتهدئة العُمال. لقد استهزأ بإعلان حقوقِ الإنسان، وأقصد "بيانُ الثورة الفرنسية" كميثاقٍ للملكية الخاصة والفردية البرجوازية، بوصفها الفخاخ التي وضعتها الطبقةُ الحاكمة.

قدّر ماركس قوة البقاء للرأسمالية، بشكلٍ غير مثالي، لقد خَفتت الثورةُ من خلال إحداث التغيير السلمي، أصلحت الرأسمالية نفسها، عن طريق تفتيت الاحتكارات وتنظيمِ التجاوزات، بصورةٍ ما، حوّلت العُمال إلى عملاء، ومن خلال الحقوق، تمددت الصناعات وتحسن وضع العُمال وازدادت الطبقة الوسطى على حساب البروليتاريا. لقد عانى ماركس بسبب الجهود المبذولة لإظهار العّلة، في ضرورة أن تنتهي العلاقات الاقتصادية بين الرأسماليين والعمال، عُنفياً. مع ذلك، يقفُ ماركس بمثابة ناقوس دائم ضد الرضا عن الليبرالية، إن المصالح المؤسسية الراسخة، تستحوذُ على السياسة، وتولد عدم المساواة، عندئذ سيبدأ الضغطُ في التصاعد.

في حين نظَر ماركس إلى الصراعِ الطبقي، كمحركٍ للتقدم، نظرَ نيتشه (1844-1900) إلى العُمق، في القاع وفِي الممرات المُظلمة لزوايا الوعي الخافت والمنسي، فرأى مجتمعاً يترنحُ على حافةِ الانهيار الأخلاقي. في كتابته حيوية استثنائية، يصفُ كيف كان هناكَ وقتٌ في تاريخ البشرية، عندما كانت القيمُ النبيلة كالشجاعة والشرف، قد سادت. لكنها استبدلت خلال ثورة العبيد التي بدأها اليهود، ورثت من قِبل المسيحيين تحت نير البابليين وبعد ذلك الرومان.

يفقدُ الجدل (حول كيفية إصلاح العالم) غرضه – لتحجر الصيغة التقدمية، والإنسان الأخير، وتتنامى السلطة – بشكلٍ صريح إلى الطبقات الاقتصادية في فكر ماركس، والإنسان الأعلى، المستحيل، لدى نيتشه، ومن خلال التلاعبِ الهدام بالإرادة العامة عند روسو
 

وبطبيعة الحال، رفع العبيدُ كل شيء متدنٍ، وما يتناقض مع نبل أسيادهم، البحثُ عن الحقيقة بقي، لكن هذا أدى بشكلٍ لا يمكن إنكاره إلى الإلحاد، الظاهرةُ التي تُثير الذهول، لحدود ألفي عام من الحقيقة المُطلقة، في قلب العالم، وبعد الحروب الطاحنة للإصلاحيين: " لقد مات الإله …" كتبَ نيتشه، ولقد قتلوه. يتطلبُ الأمرُ الجرأة للتحديق في الهاوية، ولكن في حياةٍ من الألم والشعور بالوحدة، كانت الجرأةُ شيء لم يفتقر إليه نيتشه أبداً.

حاول باليأس، تحذير العقلانيين الذين اعتنقوا الإلحاد بأن العالم لا يمكن أن يحافظ على أخلاق العقيدة المسيحية، بدون لاهوتها، فالبشرية محكوم عليها بالغرق في العدمية، في ظلمةٍ قاتمة وعديمة المعنى، حلُ نيتشه موضوعي للغاية؛ يَجِبُ على الأفراد أن ينظروا إلى أنفسهم لإعادة اكتشاف الأخلاق النبيلة، وهي الروحُ البطولية التي تتوقُ إلى قول نعم، لأي شيء، نيتشه ليس عرضة للنقد التقليدي – لأن الأفكار تتدفق منه في سيلٍ من الفكر المتطور باستمرار. في اللعبِ اللغوي كطريقةٍ فلسفية، وكيف يدمجُ الحقيقة والرأي باللغة، حتى يبلغُ الصحةَ، فالبلاغةُ في حد ذاتها تأكيدٌ للقوة. 

إن الرؤية غير الليبرالية للتقدم لها سجلٌ سياسيٌ رهيب، استدعى روبسبير، روسو؛ بينما استحضرا كُلاً من ستالين وماو تسي تونغ ماركس؛ واستشهد أدولف هتلر، بنيتشه. إن الطريق من التقدم الليبرالي إلى العُنف، ليست وعرة المسلك، يفقدُ الجدل (حول كيفية إصلاح العالم) غرضه – لتحجر الصيغة التقدمية، والإنسان الأخير، وتتنامى السلطة – بشكلٍ صريح إلى الطبقات الاقتصادية في فكر ماركس، والإنسان الأعلى، المستحيل، لدى نيتشه، ومن خلال التلاعبِ الهدام بالإرادة العامة عند روسو. وبينما تسحقُ السلطة كرامة الفرد، تقدمُ الليبرالية الفرد أولاً ودائماً، ودون احتكار الأجوبة عن أسئلة التقدم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة