أرطغرل يحاكم محمد بن سلمان!

ذكرت قبل ذلك حرصي على متابعة المسلسل التركي قيامة أرطغرل، بل كتبت مقالًا هنا بعنوان: دعوة لمشاهدة مسلسل أرطغرل. ومن ضمن الأسباب التي دفعتني لهذه المتابعة –بل لهذا الشغف بالمسلسل- هو ما احتواه من محاولة الربط بين التاريخ والواقع[1]، وسواء قصد صناع المسلسل هذا الربط بين الوقائع التاريخية وبين أحداث واقعية حياتية بعينها أو لم يقصدوه.. فإن العقل الباطن للمشاهد يقوم بعملية الربط هذه بطريقة لاإرادية، وإن اختلف الناس في اختيار الحدث الحياتي المناسب لهذه الوقائع المذكورة في المسلسل، كُلٌ بحسب اهتماماته وانشغالاته.

  

ومن ذلك ما فعله أرطغرل مع ابنه الأكبر جوندوز (وليّ العهد) عندما ارتبط بعمل مع ثلاثة من التجار المُرابِين، حيث ضربه بشدة في خيمته، كما عَنّفه ورفض مصافحته أمام الناس، حيث أراد بذلك تثبيت مبدأ: أن أحدًا كائنًا مَن كان ليس فوق قانون العدل والحق الذي يريد نشره في العالم. وهو بذلك يكرر ما فعله قبل ذلك مع أخيه الأصغر ديندار (وكان هو أيضًا وليّ العهد حينها) عندما استعمل سيادته واعتدى على أحد الجنود في القبيلة، حيث نزع منه منصب السيادة الذي استغله في ظلم الناس والاعتداء على حقوقهم.

 

الجديد هنا هو أن الحلقة 123 قد احتوت على عملية جاسوسية للصليبيين أدت إلى مقتل عدد من جنود قبيلة الأومور وقت خصومة بينها وبين قبيلة الكايي التي يتزعمها أرطغرل، وأصابع الاتهام في هذه الحادثة تشير إلى تورط جوندوز بن أرطغرل فيها، ورغم براءته فعلا.. إلّا أن الذي ظهر في إعلان الحلقة القادمة (124) أن أرطغرل يأمر بوضع ابنه (ولي العهد) ومساعده في السجن، وقد يكون هذا أيضًا بسبب اتهام جوندوز بقتل زعيم قبيلة الأمور نفسه، وأيًّا كان السبب.. فإن تثبيت قواعد العدل والحق هو الأصل في ذلك، وقد استخدم أرطغرل القرائن التي تشير إلى تورط ابنه في الجريمة، حيث إن جوندوز لم يستطع إثبات تواجده في مكان آخر وقت وقوع الحادث، كما ثبت وجود خنجره في موقع إحدى الجريمتين.

 

بين صنيع أرطغرل وصنيع سلمان
لا ينبغي أن نختزل القصة في جريمة مقتل جمال خاشقجي، ولا حتى في سلسلة جرائم ابن سلمان منذ تمكنه من ولاية العهد؛ القصة الحقيقية الكاملة متعلقة بغياب عدالة السماء عن حُكم أهل الأرض

بالطبع أنا لست هنا في موقع أردوغان كي أقول: إن الملك سلمان ليس له علاقة بالحادث، فلولا سلمان وجرائمه –بل لولا تجبر العائلة المالكة وتفشي الإجرام فيها- لما فَجَرَ محمد بن سلمان، والملاحظ على مدى أكثر من شهر على ارتكاب جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية باسطنبول أن هدف سلمان الأول هو الطرمخة (وهي كلمة عامية مصرية تعني: التستر على فضيحة) على جريمة ولده التي تظهر الدلائل بوضوح تورطه في الأمر بارتكابها.

 

وصلى الله على النبي محمد الذي صدع يوما بين الناس قائلا: "لو أن فاطمة بنت محمد سَرَقَتْ لقطعتُ يدها" بعدما حذر المسلمين من خطورة المحاباة في حدود الله وشرائعه "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ" (والحديث عند البخاري ومسلم)، وقارن أيها العاقل الواعي هذه الخطبة من أشرف وأطهر الخلق عليه الصلاة والسلام بدولة تزعم أنها تحكم بالشرع، ثم توظف الدعاة لاستخدام منابر الحرمين الشريفين في تزوير الحقائق ونشر الأكاذيب دفاعًا عن وَلِيّ أمرهم ولو بالباطل، في نفس الوقت الذي تحاول إخراج قاتل الصيدلي المصري من مسؤولية جريمته بدعوى أنه مريض عقلي لأنه سعودي!! ليؤكدوا أنهم لا يعملون بشرع الله، إنما يعملون بقاعدة (الشريف والضعيف) التي ستكون سببًا بإذن الله في زوال مُلْكِهم وهلاك سلطانهم.

 

وفي الختام أقول: لا ينبغي أن نختزل القصة في جريمة مقتل جمال خاشقجي، ولا حتى في سلسلة جرائم ابن سلمان منذ تمكنه من ولاية العهد؛ القصة الحقيقية الكاملة متعلقة بغياب عدالة السماء عن حُكم أهل الأرض، منذ سقوط الدولة العثمانية وإهدار أحكام الشريعة الإسلامية، حتى في الدول التي تزعم دساتيرها أنها إسلامية!! وليس هناك أمل في إصلاح أحوال البشرية إلا بعد عودة الإسلام حاكمًا برحمته وعدالته وإعطاء كل ذي حَقٍّ حَقَّه، واقرأوا إن شئتم: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] ليس بالضرورة أن تكون الوقائع التاريخية صحيحة في ذاتها، بل حتى لو كانت من مخيلة صناع المسلسل.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة