أترك الهاتف وابدأ القراءة

blogs كتاب وهاتف

بدون شك أنت وأنا، أول شيء يفعله كل واحد منَّا عندما يصحوا من النوم، هو التوجه فوراً لهاتفه المحمول، إذا كنت أنت لا تفعل ذلك فاعلم أنك لا زلت معافى، هذه حقيقة لا يستطيع التهرب منها أحد، ربما جُلنا يقضي معظم وقته مع هذه القطعة المعدنية، التي أصبحت تقضم من وقتنا الكثير دون أن ننتبه لذلك، أصبح الانشغال بالهاتف ظاهرة مريعة، ليس في العالم العربي وحده، وإنما في العالم أجمع، يكفي أن تنظر إلى أي تقرير إعلامي مهما كان محتواه، ليلفت انتباهك ذاك الكم الهائل من الناس المنغصي رؤوسهم على الهواتف.

تتعدد اهتمامات المستعملين، فهناك من يأتي هدف استعماله في الدرجة الأولى للهاتف، هو العمل، حيث أصبح التسويق الشبكي مهنة مدرة للدخل، وهناك استعمالات أخرى، من ضمنها الترفيه لا غير، لكن وكما تشير التقارير فإن الهدف الأول لمستعملي الهواتف في الوطن العربي، يأتي بهدف التواصل في الدرجة الأولى، إذ تشهد مواقع التواصل الاجتماعي إقبالاً منقطع النظير من قبيل رواد عرب، سعوديون، إمارتيون، مصريون، وبعدهم تأتي باقي الدول العربية الأخرى.

سنذكر هنا رقما تقريبيا لا أكثر، إذ يصعب الحسم في هذا الأمر، تذكر التقارير أن أقل معدل يقضيه الفرد العربي أمام الهاتف، هو ساعة يومياً، إذ يتراوح استعمال الفرد العربي للهاتف ما بين ثلاث إلى أربع مرات في اليوم، لكن في نظري أن هذا الرقم ضئيلٌ جداً مقارنة بما نشاهده من استعمالٍ رهيبٍ لهذه الهواتف خاصة من قبل الشباب، حتى إن مستوى التعليم أصبح في تدَنٍّ مستمر، وأهم الأسباب في ذلك هو استعمال الهاتف.

يجب التعامل مع الهاتف بشكل معقلن، عن طريق تحديد الوقت الذي ينبغي قضاؤه معه، لكن المعرفة التي ترسخ في الذهن وتؤهل الانسان للمستقبل، هي المعرفة الورقية

في المقابل ما ذا عن الكتاب في الوطن العربي؟ إليك هذا التقرير المختصر، الذي يروم التذكير فقط، لأنه في اعتقادي ما من أحد يجهل حجم هذه الكارثة المريعة التي تعصف بنا نحن أمة اقرأ، تشير التقارير الصادرة مؤخراً، الى أن معدل قراءة الفرد العربي الواحد، لا يتجاوز نصف صفحة في السنة، بمعنى أن كل 80 فرداً عربياً يقرأون كتاباً واحداً في السنة، أما في أوروبا فإن كل فرد يقرأ ما يزيد عن 35 كتابا سنويا، أما عن مدة القراءة التي يقضيها الفرد العربي فهي 6 دقائق سنويا، أما في باقي دول العالم فهي تربوا على 200 ساعة سنويا!

أما عن الدوافع فإننا نجد أن 40 في المائة، من المقبلين على القراءة هدفهم هو الترفيه، أما الذين يكون هدفهم التماس المعلومة، فهم لا تتجاوز نسبتهم، 26 في المائة فقط، ولعل نوعية الكتب التي يقبلون عليها هي التي تحدد اهتمامهم، فجل الكتب التي يقبلون عليها ما بين:

روايات غرامية، وقصص خيال تافهة، كتب تفسير الأحلام، كتب طبخ، لا غير، أما بالنسبة للكتب التاريخية أو المعرفية: فكرية، فلسفية، تثقيفية، أو حتى دينية، باستثناء المصاحف في رمضان! فإن نسبة الإقبال عليها تعد ضئيلة جداً، مقارنة مع غيرها، بل حتى نوعية الروايات التي يقبلون عليها فهي في غالب الأحيان ما تكون من قبيل تلك الروايات التافهة المضمون، بل وحتى الأسلوب أو شكل وحبكة الرواية، يكون هدف هذه الروايات هو مجرد دغدغة مشاعر الشباب المحرومين من دفئ عاطفي، فيتهافتون عليها معتقدين أنها تسد حاجاتهم العاطفية!، أما الروايات التي تقوي الملكة اللغوية والمعرفية، أو تلك التي تساعد على تنمية الخيال فهي لا تشهد إقبالاً كغيرها.

لعل هذا يرجع الى مستوى تدني الثقافة بشكل عام، ويرجع كذلك سببه إلى عدم اهتمام الدول العربية بالورشات الثقافية، حتى إننا أصبحنا نشهد المعارض الدولية للكتاب، لم تعد تشهد كما كانت في السابق تلك الورشات التثقيفية، التي كانت تمتد على طول مدة إقامة المعرض، وتضم كُتَّابا ومبدعين يتواصلون مع الجمهور ويناقشون معه أعمالهم عن كثب، بل كل ما أصبحت تشهده تلك المعارض، هو لقاءات هامشية تافهة لا يزورها إلا محبي الظهور الإعلامي لا غير.

كل هذا يا صديقي لا يحول دونك حتى تترك ذاك الهاتف الذي تمسكه بيدك، وتقضي معه نصف يومك أو عمرك، وتُبْدله بكتابٍ يصحبك في حِلك وتَرحالك، في نظري رغم كل المعيقات في العالم العربي، إلا أن هذا ليس هو العائق الوحيد في عدم إقبالنا على القراءة، بل عدم الإقبال يعود إلى الفرد نفسه، لعدم اقتناعه بجدوى القراءة، وإلا فإني أعرف أفرادا كثر، شبابا وشيابا، بنات وبنين.. لم تعق كل هذه الأمور، تواصلهم مع الكتاب، وذلك لأنهم أصبحوا مقتنعين بأنه لا مكان في العالم مستقبلاً، لمن لم يتخذ الكتاب خليلا ورفيقا له طوال عمره، حتى رغم تسهيل هذه الهواتف الوصول إلى كمٍّ أكبر من الكتب بطريق سهل وسلس، نظراً لارتفاع ثمن الكتاب، إلا أن حب سماع حفيف الأوراق، لم تغير منه شيئا هذه النقرات السحرية على شاشة الهواتف.

لا تحلم بأنك بالاعتماد على تلك المقالات المرتجلة، ستمتلك ربما يوما ما معرفة تؤهلك للكتابة والتأليف، تلك المعرفية آنية لا تتجاوز الساعة أو الساعات، حتى تتبخر وتطير من ذهنك كالسراب

اترك الهاتف وصاحب الكتاب، بدون شك أنك أول الأمر ستحس بالملل والإرهاق، بل وربما ستجد نفسك تقرأ الصفحة أو الصفحات وربما نصف الكتاب، دون وعي أو انتباه منك، بل كل ذلك وأنت شارد الذهن، وربما تصاب بالإرهاق، وتقول هذه الكتب لا تفيد في شيء مقارنة بتلك الكلمات المختصرة التي تظهر لك على شاشة الهاتف.

لكن صدقني أن تلك المعرفة لن تُكوِّنك مستقبلاً، ولا تحلم بأنك بالاعتماد على تلك المقالات المرتجلة، ستمتلك ربما يوما ما معرفة تؤهلك للكتابة والتأليف، تلك المعرفية آنية لا تتجاوز الساعة أو الساعات، حتى تتبخر وتطير من ذهنك كالسراب، صحيح أنه لا يمكن الاستغناء على الهواتف، بسبب سرعة المعلومة، وأن الانسان بسببه يصبح على اتصال دائم مع العالم، لكن ذلك لا ينبغي أن نجعله هو أساس تَثْقِيفِنا، أو هو مورد علمنا.

بل يجب التعامل معه بشكل معقلن، عن طريق تحديد الوقت الذي ينبغي قضاؤه معه، لكن المعرفة التي ترسخ في الذهن وتؤهل الانسان للمستقبل، هي المعرفة الورقية، لأن الكتاب وحده هو القادر على تكوين لديك ملكة: لغوية، معرفية، أو فكرية.. أترك الهاتف وابدأ القراءة إذاً…



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال المجلس النرويجي للاجئين إن عشرات الآلاف تقطعت بهم السبل إثر العملية العسكرية الأخيرة التي شنتها القوات العرقية لاستعادة مدينة تلعفر من تنظيم الدولة الإسلامية.

الأكثر قراءة