"لعبة العروش".. لِمَ كُلُّ هذا الهَوَس؟

blogs – Game of ThronesKit Harington

"جيم أوف ثرونز" أو "لعبة العروش" مسلسل تاريخي فانتازي، أو قل واقعيّ-سحريّ، يعكس أجواء أوروبية شمالية، ينطلق جزئيّا من خلفيات تاريخية حصلت بالفعل، لكنه يبني عليها عالما من الخيال الروائي والتلفزيوني. يحكي المسلسل لعبة عروش أبطالها عائلات نافذة تخوض لعبة السلطة بكلّ ما يمكن تخيّله من وسائل وشراسة ودأب. صراع شرس وتحالفات غير متوقعة، ونقض غير متوقع للتحالفات، تغيرات مفاجئة في موازين القوة، صعود سريع يعقبه اندحار مريع، وشخصيات شديدة السطوة تستمد مرجعيتها الأخلاقية من ضرورات البقاء وطموحات الهيمنة. عالم بلا أشرار أو أخيار، بل بمنتصرين ومهزومين، جميعهم يمكن أن يقطعوا عنقا في لحظة إذا اقتضى الأمر.

يستخدم الغربيّون كلمة (cult) التي تعني "عبادة" أو "طائفة" للإشارة لمن يعشقون عملا فنيا أو فرقة موسيقية أو فنانا أو نمطا فنيا ما إلى درجة تجعل من هذا العشق علاقة تشتمل على طقوس ورموز وشعور خفيّ وعلنيّ بالتضامن بين هؤلاء العشاق، وليس من المبالغة القول إن عشاقَ هذا العمل ينطبق عليهم هذا الوصف، ولعلّ من الدلالات شديدة الأهمية لاستخدام هذا اللفظ بالذات في هذا السياق أن "العبادة" أو "الانتماء لطائفة" يعني قدرة هذا العمل المعشوق على تشكيل ذوق خاص وفريد في العُشَّاق، ينقلهم من حالة الإعجاب العاديّة التي يشعر بها البشر عادة تجاه أمر جميل، إلى حالة يُصبح فيها المعشوق مصدرا للذوق والشعور الجمالي. فما الذي وجده في كثيرون في "لعبة العروش" وحولهم إلى "طائفة"؟

هل هو الرهبة التي تُضفيها الأجواء التاريخية للعمل، بما فيها من مباني شاهقة ومشاهدَ تخطفُ النّظر، وأزياء أسطورية، وملامح جامحة، وشخصيات لا يمكن أن تلتقي بها اليوم في مقهى ولا أن تراها في تلفاز؟ ربما. هل هو العشق الفطري لـ "الفانتازيا" أو ما سمّاه اللاتينيون "الواقعية السحرية" التي تنسف الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال، فتكسر سائر قواعد التوقع وتهدم كل نظم الاحتمالات؟ ربما. هل هو التعلق بشخصيات شديدة الفرادة والغرابة يُصبحُ حبّها أو بغضها مسألة شخصية، إلى درجة تجعل المشاهد يتمنّى مسارا معينا للأحداث حسب موقفه من الشخصيات؟ ربما.

لكن ما أطرحه هنا مختلف، يُضاف لما سبق ولا يناقضه، وهو أن "لعبة العروش" تكتسب عشاقا كثيرين لسببٍ سيكولوجيّ غيرِ واعٍ على الأغلب، وهو أنها لا تقوم على أية مرجعية أخلاقية يمكن لإنسان العصر الحديث أن ينطلقَ منها أو يختلف معها، أي أن لعبة العروش لا تبدو للمشاهد الحديث أخلاقية (moral) ولا غير أخلاقية (immoral) بل تبدو له أمرا لا يمكن الحكم عليه أخلاقيا، أي (amoral).

لا تحتاج مرجعية الإنسان الأخلاقية لأن تكون واعية كي تعمل. أكثر الناس لو سألتهم عن مرجعيتهم الأخلاقية فسيخبرونك أنها دينية أو إنسانية علمانية أو نفعية أو سوى ذلك، لكننا لا نؤصل أكثرَ انطباعاتنا الأخلاقية اعتمادا على أصول فلسفتنا الأخلاقية، بل ما نفعلُه هو أنّنا نُصدرُ أحكاما أخلاقيّة حدسيّة على الموقف، ثمّ نُراجعُه ونؤصّلُه وفق مرجعيَّتِنا الأخلاقيّة إن أمكن. إذن، تظل رؤيتنا الأخلاقية حاضرة بشكل لا واعٍ، أو قل حدسيّ. في الدراما، كثيرا ما يقوم نجاح العمل الدرامي على رسم أزمة أخلاقية يتداخل فيها الصواب بالخطأ، أو يكون جميع أطرافها على صواب من منظور ما، أو يكون جميعهم مخطئين من منظور ما، أو كل ما سبق، بل يمكن القول بثقة إن الأعمال الدرامية العظيمة ليست إلا هذه الأزمة الأخلاقية وتجلياتها وبراعة تشكيلها وتصويرها.

فما الأزمة الأخلاقية التي تصنعها لعبة العروش بالنسبة لإنسان حديث؟ أجادل هنا أن العمل برمّته لا يضع المُشاهِدَ الحديث أمام أزمة أخلاقيّة من أيّ نوع، بل يقوم بالعكس تماما، إذ يعتمدُ على ما يمكن أن نسمّيه "كسر التوقع الأخلاقي"، بمعنى أنّ المشاهد يدخل إلى العمل برؤية أخلاقية ما، ثم يُشاهد رجلا يُلقي بطفل من أعلى بناية لأن هذا الطفل شاهده وهو يمارس الجنس مع شقيقته، ثم يُشاهد طفلا آخر يُقتَل إرضاء لنزوة ابن طائش لملك سكير، ثم يرى معاون الملك نفسه يُقطَع رأسه غدرا بأمر من فتى مختلّ، أصبح ملكا نتيجة سلسلة من الأخطاء، فهو ابن سفاح وليس ابنا للملك حقيقة، والملك -أبوه المفترض- مات فجأة في رحلة صيد، وهذا المعاون المغدور هو من منع فضيحة النسب الحقيقي للملك الفتى من أن تنتشر!

من الصعب ألا يشعر المشاهد بالأسى والغيظ وهو يرى رأس "نيد ستارك" تطير غدرا بأمر من فتى طائش وابن سِفاح.

لذا، تبدأ الخلفية الأخلاقية للمشاهد في الشعور بأنها لا مكان لها في هذا العمل، يبدأ الأمر بألم أخلاقي شديد، فمن الصعب ألا يشعر المشاهد بالأسى والغيظ وهو يرى رأس "نيد ستارك" تطير غدرا بأمر من فتى طائش وابن سِفاح، وسيشعر بألم مضاعف لاحقا حين يرى عائلة ستارك كلّها تقريبا تُذبَح غدرا، لكنه خلال ذلك كلّه، يتعاظم شعوره بأن مرجعيته الأخلاقية -أي المُشاهد- تفقد كلّ علاقة ممكنة لها بالعمل، وتُصبح غير ذات صلة (irrelevant) بمنتهى البساطة.

وحين يرى الإنسانُ أنّ حُدوسَه الأخلاقيّة التي يرى عملاً فنّيّا من خلالِها تُصبِحُ غيرَ ذاتِ صلة، فمن المحتمَل جدّا أن يتفاعلَ مع العملِ من خلالِ الدوافعَ الأدنى والغرائز، أي "اللذة والألم". ييأس المشاهد من تمنّي انتصار فلان أو موت فلان لأن الأول على صواب والثاني على خطأ، فهو يعلم أن الجميع أخطؤوا، والجميع قطعوا رقابا أو مستعدّون لذلك، وحتى لو بدأ العمل من مظلمة تاريخية لطرف ما، فالعمل لا يصوّر إلا فترة محدودة من لعبة العروش، والمظلوم في هذه الفترة المحدودة لا بدّ أنه مارس ظلما من قبل، أو سيُمارسُ الظلمَ لاحقاً حين تبتلعُه لعبة العروش.

جميع الثورات تبدأ بأحلام يوتوبيّة عن جعل العالم مكانا أفضل، لكنّها تنتهي بالثائرين إلى طغاة ومستبدّين، ومن المُبكِّرِ الحكمُ بأنّ دينيريس تارغيريان لن تنحدرَ إلى هذا المصير.

يظلّ المسلسل، بعبقرية لافتة، يلفت النظر إلى ذلك باستمرار من خلال استعادة الأحداث السابقة في الحوارات، وما شاب هذه الأحداث من تبدّل في المواقف وغدر وخيانة مارسهما الجميع، حتى مظلومو اليوم، بما يُساهم باستمرار في تفكيك أي أساس أخلاقيّ للتعاطف مع طرف إزاء طرف آخر.

لا نقصدُ أبدا غيابَ مرجعيّات أخلاقيّة داخليّة تحكمُ تصرّفَ الشخصيّات أو بعضَها، لكن نقصد أن هذه المرجعيّات لا يمكنُ تفهّمُها والتعاطي معَها باعتبارِها أخلاقا أو نظُما أخلاقيّة من قبل المُشاهِد الحديث. مثلا، يعيش "جيمي لانيستر" حياتَه كلَّها ضحيّة لفعلٍ ارتكبَه، واعتُبِر خطيئة أخلاقيّة وفقَ المرجعيّة الداخليّة للقصّة. ما فعلَه هو انّه قتلَ الملك الذي أقسمَ على حمايتِه باعتباره رئيسا لحرسِه الخاصّ، لكنّه قتلَ الملك لأنّ هذا الملك زرع كميّة ضخمة من "القنابل" تحتَ المدينة، وأراد تفجيرَها وتنفيذ مجزرة مروّعة ستودي بحياة الآلاف. رغمَ ذلك، يظلّ جيمي مجرِما في عينِ الجميع لأنّه أخلّ بقسمِه، لكنّ المشاهدَ الحديث سيعتبرُ فعلَ جيمي فعلا أخلاقيّا مبرّرا لأنّه أنقذ آلاف الأبرياء من نزوة ملك طائش. ينطبقُ الأمرُ نفسُه على "أخلاقيّات الفروسيّة" التي يلتزمُ الفرسان بموجبِها في حماية وتأييد ملكِهم مهما كانت قراراتُه خاطئة وكارثيّة، وهو أمرٌ يصعبُ على المشاهدِ الحديث تقبّلُه واعتباره أخلاقيّا.

إذن، تفقد انطباعاتُ المُشاهدِ الأخلاقية صلتَها تماما بما يجري، ويتحوّل المشاهد إلى مندمجٍ في لعبة عبثية، يقوده فيها اللذة والألم، الألم الذي يسبّبُه مقتل شخصية مرغوبة، واللذة التي تسبُّبُها أذيّة شخصية مبغوضة، أو حصولُ انتقامٍ يشفي الغليل بغضّ النّظر عن المُصيبِ أو المُخطئ.

آريا ستارك  (آي أم دي بي)

أما ما يجعل شخصية ما مرغوبةً أو مبغوضةً فليسَ مؤصَّلاً أخلاقياً، وهناك كثير من الأدلة على ذلك، منها أن الشخصيات التي يتفق المشاهدون على الإعجابِ بها من منظور أخلاقيّ محدودة جدا، مثل جون سنو وآريا ستارك، وربّما دينيريس تارغيريان إلى حدّ ما. هذه الشّخصيّات الثلاثة تبدو الأقربَ إلى ما قد يعتبرُه المشاهدُ الحديث شخصيّات خيّرة أو أخلاقيّة، لكنّ هذا الحكمَ متسرّع.

بخصوص دينيريس تارغيريان، فشخصيَّتُها ما تزالُ مفتوحةً على تطوّراتٍ ضخمة محتمَلة. صحيحٌ أنّها تتحدّثُ دائما عن جعل العالم مكانا أفضلَ، وأنّها ألغت العبوديّة مثَلا، لكنّ هذا كلَّه يحصلُ في إطارِها سعيِها المحموم للوصول إلى السُّلطة. في الواقع، حتّى سيرسي لانيستر تتطلَّعُ إلى وقتٍ يعيشُ فيه "الشعب" بسلام، ولكن بعدَ أن تكونَ استخدمَت كلَّ جريمة ممكنة من أجلِ الوصولِ إلى السُّلطة واستتباب الحكم لها. جميع الثورات تبدأ بأحلام يوتوبيّة عن جعل العالم مكانا أفضل، لكنّها تنتهي بالثائرين إلى طغاة ومستبدّين، ومن المُبكِّرِ الحكمُ بأنّ دينيريس تارغيريان لن تنحدرَ إلى هذا المصير.

أما آريا ستارك فهي تُذكِّرُنا بنموذج "مايكل كورليوني" في فيلم "The Godfather"، أي الابن الذي يُحاولُ والدُه تجنيبَه نتائج خياراتِه ومساراتِه، ويأملُ دائماً في أن يورِّثَه عالما أفضلَ لا يُضطَّرُّ فيه لاتّخاذ قراراتٍ صعبة أو غير أخلاقيّة، لكنّ التاريخ أكثرُ مكراً، فيجدُ الابنُ نفسَه منغمِساٍ في العالمِ نفسِه. قد يبدأُ الأمرُ بثأرٍ مشروع، لكنَّ الانغماسَ في اللعبةِ سيُنسي اللاعبَ عاجلاً أم آجِلا أين يبدأ الثّأرُ وأين ينتهي، وستبتلعُه "لعبة العروش" في النّهاية مهما كانت نواياهُ طيّبة. من اللافتِ جدّا أنّ تعاطفَ المُشاهدِ مع آريا ستارك يزيدُ كلّما انغمَستْ في اللعبة، يحدثُ هذا أوّلا بدافعِ الرّغبة في مشاركتِها ثأرَها، لكنّ المُشاهدَ، شأنَه شأنَ آريا، سينسى في لحظةٍ ما التساؤلَ عن المُصيبين والمُخطئين، ولن يتساءل كيف بدأ هذا كلُّه، وكيف يُمكنُ إنهاؤه، وهل يُمكنُ إنهاؤه أصلا.

 جون سنو (آي أم دي بي)

جون سنو حالةٌ أكثرُ تعقيدا، سنتناولُ تفاعلَ المُشاهدِ معها من زاويةٍ مهمّة بعد قليل، لكن في سياقِ أخلاقيّةِ هذه الشّخصيّة من عدمِها، لنُلاحظْ أنّ جون سنو يُحاولُ دائماً أن ينظرَ خارجَ اللعبة. هذا الرجلُ الذي يُطاردُه نسبُه غير المُشرِّف يُحاولُ دائما أن يكتسبَ مشروعيّةً من خلالِ تجنّبِ قواعدِ اللعبة ومُحاولة خوضِ معاركَ نظيفة وواضحة. ينضمُّ في البداية إلى أخويّة حُرّاسِ الجدار. هذه الأخويّة تُمثِّلُ بالنسبةِ له نظاما يتساوى فيه الجميعُ ولا يتفوّقُ فيه نسبٌ على آخَر، وبالتّالي تُريحُه من عبء نَسَبِه وما يترتّبُ عليه من قواعدَ وتبِعات، وتمثِّلُ له كذلك مواجهةَ عدوٍّ خارجيٍّ لا يختلفُ على عداوتِه أحد، أو لا يجبُ أن يختلفَ على عداوتِه أحد. حاربَ جون سنو القبائلَ البدائيّة حين كانت هي "الآخَر"، وحقّقَ تحالفاً صعباً ومُكلِفاً معَها حين أصبح جيشُ الموتى ومُشاةُ الليل هم "الآخر".

يحاول سنو بدأب أن يُقنعَ الجميع بأنّ هنالك "آخرَ" أكثرَ خطَرا وأكبرَ من لعبتِهم. لكنّ اللعبةَ التي يحاولُ سنو تجاهلَها تُصرُّ على سحبِه إليها، وأخويّة الجدار التي انتمى إليها سنو هرَبا من القواعد، قتلتْه قواعدُها قبل أن يعودَ إلى الحياة ثانية، وما يزالُ أهلُ الشَّمال، بما فيهم "شقيقتُه" سانسا ستارك، يُحاولون تنبيهَه إلى ضرورة خوض "لعبة العروش" وعدم الاستغراق تماما في "الآخر" الآتي من خلفَ الجدار. ومن اللافتِ جدّا أنّ هذه الشخصيةَ التي تبدو الأكثر أخلاقيّة مُرتبِطةٌ جدّا بالغفلة، إلى حدّ أن تكون إحدى شعارات العمَل "أنتَ لا تعرفُ شيئا يا جون سنو". تُرى، إلى متى سيصمدُ جون سنو أمام ضغطِ اللعبة؟ وكيفَ سيتصرّفُ حين يكتشفُ أصلَه الملكيّ، ويكتشفَ بالتّالي أنّ له رصيدا كبيراً في اللعبة لم يكن يعرفُ عنه شيئا؟

 دينيرس تارجيريان (آي أم دي بي)

وفيما عدا هذه الشخصيّات الثلاثة شبه الأخلاقيّة من منظور حديث، تُثيرُ أكثرُ الشخصيات مشاعرَ مختلطة لا تستندُ لأساسٍ أخلاقيّ، فـ "آل ستارك" عموما يثيرون مزيجا من التعاطف مع رحمتهم والشفقة على مآسيهم والامتعاض من سذاجتهم، وآل لانيستر يثيرون عموما مزيجا من الاحتقار لانتهازيتهم والإعجاب بفطنتهم. وسنلاحظُ أن المواقف من الشخصيات تتحوّل وفقا لمشاعر اللذة والألم، لا الصواب والخطأ.

هذا الانحسار للمرجعيّة الأخلاقيّة، في مقابل هيمنة الدوافع الأدنى، ينطوي على إغراء شديد، يمكن تفسيرُه باعتباره فرصة نادرة للمُشاهد الحديث لتعليق حدوسِه الأخلاقيّة وإيقافها عن العمل، لصالح الاندماج البدائي أو الطِّفليّ مع الحدث. هذه فرصة لا تحدث إلا نادرا، فأكثر أفعال الإنسان ومشاعره متداخلةٌ بقدر يزيد أو ينقص مع شبكة من القيم والأحكام الأخلاقيّة، وينطوي التحرّر -ولو جزئيّا وآنيّا- من هذه الاعتبارات كلّها على إغراء تصعبُ مقاومتُه، إغراء العيش في لحظة سائلة منفصلة عن الزمان والمكان المألوفين، لحظة "هنا والآن" بلا مشاعرَ إلا اللذة والألم.

لكن هذا الخفوتَ المتواصل لمرجعية المشاهد الأخلاقية مع تقدّم العمل، والتصاعد المستمرّ لدوافع اللذة والألم، يؤدّي إلى نتيجة غير متوقّعة. فما جذب المُشاهد في الأساس هو أن كلّ توقعاته بناء على مرجعية أخلاقية ما تتحطّم باستمرار، وهذا بالذات يقلّل تدريجيا من رهبة الأحداث. فما يحبس الأنفاس ويثير الرهبة والتشويق هو كسر القاعدة، وتحطم القوانين، وتهاوي التوقعات. لكن وجود القاعدة والقانون والتوقع هو ما يجعل كسرها مُثيرا ومشوِّقا وحافلا برهبة عارمة، أما حين يشعر المشاهد أنّه ما من قاعدة أصلا لأن كلّ شيء ممكن، وما من داع للتوقع أصلا لأن كل الاحتمالات واردة، فإنه يفقد لذة كسر القاعدة ورهبة خيبة التوقع وإثارة المجهول. ما يجعل المجهول مثيرا هو أن هناك معلوما أو متوقعا، ويمكن أن يأتي المجهول بخلافهما تماما، لكن حين لا يكون هناك معلوم أصلا، فالمجهول أقل إثارة ورهبة.

 سيرسي وجيمي لانستر (آي ام دي بي)

ولعلّ هذا هو ما دفعَ العملَ باتّجاه سرديّة مختلفة مع جزئه السّادس، فالعملُ الذي كان "وثنيّا" بامتياز، كما يتبدّى ذلك في تشظّي المرجعية وعبثيّة التاريخ وتصارع القيم وغياب السرديّة الكبرى، تتعمّقُ فيه باستمرار ملامحُ "كتابيّة"، أو مزيجٌ من الرؤى اليهوديّة والمسيحيّة للتاريخ. يتجلّى ذلك في شخصيّة "دينيريس تارغيريان" ذات الملامح الموسويّة، من قبيل تحرير العبيد -تحرير بني إسرائيل- وعبور البحر بقبائل الدوثراكي -وفي لغتهم جَرسٌ عبريّ واضح- إلى أرضٍ موعودة، وتعرَّض دينيريس وعائلتِها لحملة إبادة خوفا من تهديد سلالتِها للحكم القائم. ويتجلّى ذلك أيضا في شخصيّة "جون سنو" وملامح "المسيح" فيها، مثل النّسب الشريف حقيقة والمتَّهَم في عيون النّاس، والقيامة بعد الموت، والتجرّد من أطماع السّلطة والتحلّي بأخلاقيّة تكاد تكون عدميّة.

هنا يقفُ العملُ على مفترَقِ طُرُق. هل سيواصلُ العملُ في اتّجاهِ سرديّة خَلاصيّةٍ ذات معنى بعد سلسلة طويلة من غياب المعنى؟ أي، هل سيتواصلُ انتقامُ بعض المظلومين من ظالميهم، وتجنّبُ النهايات المأساويّة العبثيّة لبعض الشخصيّات، وترسيخُ "مُشاة الليل" باعتبارِهم شرّا محضا، أو نوعا من الشرّ الطبيعيّ، الذي يجبُ التوحّد في مواجهتِه، وما يستتبعُه ذلك من تحالف الشخصيّتين الكتابيّتين، جون سنو ودينيريس تارغيريان، ضدّ الشّر الطبيعي -مُشاة الليل- والوثنيّة -سيرسي لانيستير- وبالتالي دفعُ المشاهد إلى استعادة بعض الثّقة بوجود سرديّة أخلاقيّة ما؟ أم أنّ العملَ سيعودُ إلى "وثنيّتِه" التي منحَته شعبيّتَه وتميّزَه ابتداءً، أي تهاوي السرديّة الأخلاقيّة وانتصار اللعبة على الجميع في النّهاية؟

يبدو مُغريا جدّا التفكيرُ في احتمالِ أن تكون المعركة النّهائيّة بين "جون سنو" -الذي سيكتشفُ أنّه "جون تارغيريان"- ودينيريس تارغيريان. هذا سيكونُ مساراً يأخذُ لعبةَ العروش إلى إحدى أكثر نهاياتِها اتّساقا مع بداياتِها، لكنّ التعاطف مع المُشاهِد ومع نزعتَه الخلاصيّة في نهاية الأمر قد تدفعُ العملَ إلى اتّجاه آخَر. لكن في جميع الأحوال، يظلُّ العملُ مثالا نادرا في الاستيلاء على مُشاهدِه، أيّاً كانت التفسيرات والدوافع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بدأت مساء الثلاثاء الطبعة العاشرة من مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي بمشاركة 31 فيلما من 13 دولة، وحضور ملفت لصناع الفن السابع العرب (السينما)، ويستمر المهرجان حتى 31 يوليو/تموز الجاري.

الأكثر قراءة