ماذا يبقى منك بعد رحيلك؟

قبل سنوات، كنت أسكن في أحد أحياء القاهرة العتيقة، حارة لطيفة ومسجد قريب، وإمام طيب يصلي بنا معظم الفروض، الإمام كان لديه جدول دروس يتلزم به، لم يكن يستسلم لأي عقبة، كانت هنالك عقبة كبيرة تقف أمامه، ليست حياءه في الإلقاء بالطبع، ولا حتى مضايقات أمنية، فلقد كانت دروسه عامة لا يتطرق فيها لما يغضب السلطان، تلك العقبة كانت: عدم وجود جمهور.

في إحدى المرات، جلست أستمع له على استحياء، لقد ذهب الجميع فور بدئه الحديث، لم يبق سوى طفلٌ صغير وأنا، كيف أتركه يتحدث مع نفسه، لا أعتقد أن الطفل يفهم كثيراَ مما يسمع، لقد كان الشيخ في أتم استعداده، باللباس الأزهري المهندم، والكتاب الذي يفوح منه عبق التاريخ الأصيل، يتحدث ولا يهمه من جلس ومن قام، يؤدي واجبه على أكمل وجه ثم ينصرف إلى حياته، جلست أستمع وأقارن بينه وبين بعض الـ(يوتيوبرز)، أولائك الذين ينشرون فيديو في المساء فيصل إليه عشرات الآلاف في الصباح، تخيل معي عشرات الآلاف!

تخيلت لو أن المسجد ممتلئ عن آخره بالحاضرين والمستمعين، كم سيكون عددهم، عشرات؟ مئات؟ لو كان هنالك مائة ربما كان هذا أعظم إنجاز للشيخ، ربما عاد لمنزله وهو يحمد الله أن جعل كلماته تصل إلى مائة شخص، قد تجد كلماته طريقها لأفعال بعض القوم فتغير السلوك وتهذب الأخلاق، قد تغير بعض الأفكار وتهدي بعض العقول، آه يا شيخ لو تعلم أين وصل بنا الحال، لم تعد تلك المئات تشبعنا، لقد أصبحت تلك الأرقام مجرد أعداد ترتص بجانب المقالات أو الفيديوهات، لم نعد نشبع بالمئات ولا الآلاف، نريد الملايين.

ماذا بقي منك بعد رحيلك، هل بقي منك بعض علمك، بعض أفكارك النيرة، أو حتى بعض تجاربك وخبراتك التي شاركتها عبر اليوتيوب أو أي منصة أخرى.

ملايين البشر يشاهدون أحدهم وهو ينقل مجريات حياته عبر اليوتيوب، إنه أحد الـ(Vloggers)، ألم تسمع بهم؟ إنهم مشاهير البشرية في الوقت الحاضر، لا يمرون من شارع إلا ولديهم معجبون ومتابعون، تجد شباباً لا يعرف عن مفكري أمته الشيء الكثير، لكنه يعرف أدق تفاصيل حياة مشاهير اليوتيوب، إن كنت تبحث عن شباب الأمه فهم هناك، وهم أيضاً في سناب شات، الملايين أيضاً هناك يتابعون مشاهيره الذي يشاركون حياتهم الشخصية وينشرون ما ينفع وما يفسد، لكن هنالك فرق جوهري بين يوتيوب وسناب شات، في سناب شات أنت لا تترك خلفك بصمة تبقى إلى الأبد، المقاطع تختفي بعد 24 ساعة، أما اليوتيوب فأمره مختلف.

قد تكتب التدوينات وتنشر المقالات في موقعك الشخصي، موقع تدفع عليه كل سنة مبلغاً من المال للشركة المستضيفة كي يبقى على قيد الحياة (الحياة الرقمية طبعاً) فيصل إليه كل من يبحث عن بعض محتوياته، فإذا توقفت عند الدفع أُغلق حسابك، ويختفي موقعك عن الفضاء الرقمي، أما في اليوتيوب، فكما يقال: اعمل الخير وارميه في البحر.

بحر اليوتيوب دائم الهدير، سواءٌ داومت على رعايته أم لم تداوم، هو لا يحتاج رعايتك، لديه واحدة من أكبر شركات العالم (قوقل) هي من ترعاه وتقوم على مصالحة، فلا تهتم لهذه النقطة، أنت فقط اهتم بنشر المحتوى فيه، وبمجرد أن تنشره سيبقى هنالك إلى أن يشاء الله، قد تنشغل وتأخذك الأيام وتنسى قناتك، لكن فيديوهاتك ستبقى متاحة يصل إليها مئات/آلاف المشاهدين كل يوم، قد تغادر هذه الحياة وتنتقل إلى حياة أخرى، لكن بصماتك ستبقى هناك تحصد الحسنات أو السيئات، بحسب اختيارك.

عليك إلا أن تبدع في إنتاج محتوىً ذو قيمة، أن تتقن في إعداد محتوىً جيد شكلاً ومضموناً، لا تهتم لقلة المتابعين في بادئ الأمر، تذكر أنك لا تعمل من أجل الآن.

ماذا بقي منك بعد رحيلك، هل بقي منك بعض علمك، بعض أفكارك النيرة، أو حتى بعض تجاربك وخبراتك التي شاركتها عبر اليوتيوب -أو أي منصة أخرى-، كثيرٌ ممن ينشر في اليوتيوب يبغي المال من وراء ذلك، ليس في ذلك مشكلة، المشكلة عندما يختل سلم الأولويات، سلم النوايا والمقاصد، إن كان القصد الأول والأهم هو المال، فهنا تكمن المشكلة، قد يخرج اليوتيوبر عن الطريق، فيميل للمحتوى الذي يجلب مشاهدات أكبر، قد يسلك طريق يندم عليه كثيراً فيما بعد، بعد أن يغادر الحياة الدنيا، حينما يتوقف نبض قلبه ويبقى عداد المشاهدات.

عندما تكتب، تُصَّور، تتحدث، وقبل أن تنشر، اسأل نفسك، هل يرضيك ذلك المحتوى بعد موتك، بعد أن يختفي بريق الشهرة، بعد أن تتلاشى تلك الأموال وتضيع وسط متاع الحياة الدنيا، بعد أن تترك كل شيء وتغادر، بعد أن لا يبقى منك شيء، إلا بصماتك الرقمية المنتشرة عبر تلك المنصات، هل ستنام قرير العين، تحصد المشاهدات وتكسب الحسنات، تشاهد مستقبلك القادم وهو يُبنى أمام عينيك.

ليسَ مطلوبٌ منك أن تكون أحد الأغنياء كي تتصدق في مشروع جارٍ، يستمر في العمل من تلقاء نفسه، يدور ويدور وأنت تكسب وتكسب، أي شخص الآن يمكنه أن يترك تلك الحلقة الدوارة، التي تدور وتدور وأنت تكسب منها بشكل مستمر، طبعاً أعني هنا ذلك الكسب الذي ينفع في الدارين، الذي تبني به مستقبلك الحقيقي في دار الخلد التي لا تزول، جهاز هاتف حديث وخط إنترنت متصل، هذا كل ما يتطلبه الأمر، وما عليك إلا أن تبدع في إنتاج محتوىً ذو قيمة، أن تتقن في إعداد محتوىً جيد شكلاً ومضموناً، لا تهتم لقلة المتابعين في بادئ الأمر، تذكر أنك لا تعمل من أجل الآن، أنت تعمل من أجل المستقبل، أنت تترك أثراً يبقى بعد رحيلك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

لم تكن الفلسطينية جميلة الهباش تدرك أن حياتها ستقلب رأسا على عقب بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لكن هذه الحرب بترت ساقيها ولم تبتر حلمها بأن تكون إعلامية.

الأكثر قراءة