خطة دالت.. أو الخارطة الاستعمارية للقدس

تعددت الوسائل والأساليب والخطط الصهيونية التي تهدف إلى تغيير معالم الهوية الفلسطينية بشكل عام وهوية القدس بشكل خاص. حيث سخرت الصهيونية الاستعمارية عدة مفاتيح ومراحل وطرق لإعادة تفكيك الهوية المقدسية وتركيب الهوية الاستعمارية للقدس، فلم يقتصر تشكيل خارطة القدس وهويتها الاستعمارية على الجغرافيا وحسب، بل يمتد ليشمل الديموغرافيا والفضاء والأسماء.

 

ووضعت الخطط المُمنهجة لتفكيك هوية المدينة وذاكرتها التاريخية كخطة "دالت" وهي الخطة الرئيسة لسياسة تطهير مكاني بشكل عُنصري، تهدف من خلالها إسرائيل إلى السيطرة على أكبر مساحة مُمكنة من الأراضي الفلسطينية وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وإحلال مستوطنات ومؤسسات إسرائيلية محلها.

 

وخطة "دالت أو مشروع القدس الكبرى هي التصور الإسرائيلي لمدينة القدس الموسعة التي يحاول الإسرائيليون من خلالها صنع هوية جديدة للقدس عن طريق إزاحة الثقل التاريخي من مركز المدينة وتوسعتها خارج حدودها التاريخية، توسعه تَمحِي معها هوية المدينة التاريخية والإسلامية، فمشروع القدس الكبرى عمليًا عبارة عن تطويق الأحياء العربية في البلدة القديمة مع فصلها عن الأحياء العربية خارج السور مع التركيز على الأغلبية السكانية اليهودية في المدينة والمستوطنات المحيطة بها، لكي تصبح مساحة الأرض التي يعيش عليها العرب صغيرة جدا بالنسبة لما يسيطر عليها اليهود لإجبار المقدسيين على الحياة في وضعية صعبة، تضطرهم في أحيانًا كثيرة إلى الهجرة من بيوتهم وأوطانهم بحثًا عن سِعةٍ في العيّش وفُسحةٌ في التصرُف.

 

عمدت السياسة الإسرائيلية الاستعمارية طويلة الأجل فى القدس إلى خلق تغيير ديموغرافي شبه كامل للمدينة ومع تغيير كامل للمعالم الثقافية والتاريخية للمدينة، وهو ما يُطلق عليه الدكتور سارى حنفى بسياسة "التطهير المكاني" وذلك لتعزيز هوية ومكانة القُدس الجديدة كعاصمة لإسرائيل وكمدينة عالمية، عن طريق ربط المستوطنات خارج القدس ببلدية القدس من خلال ممرات لتحقيق أغلبية إسرائيلية بنسبة 88% مقابل أقلية عربية بنسبة 12%.

 

فقد استخدمت سُلطات الاحتلال قوانين التنظيم الهيكلي والبناء وقوانين ملكية الأراضي ضد السُكان المقدسيين واحتفظت سُلطات الاحتلال بالتنظيم الهيكلي في القدس الغربية ووضعت تسعة عشر مخططا تفصيليًا للقدس الشرقية ووضعت في كل مُخطط أحكامًا خاصة به للتنظيم والبناء، لا تسمح تلك المخططات الهيكلية بتطوير البنية التحتية للقدس الشرقية على مستوى الشوارع والطرق والمباني والمخططات والمباني العامة والخدمات في الوقت التي تظل فيه المباني المقدسية فريسة جرافات ثلاث سُلطات رسمية (وزارة الداخلية، والبلدية، والحكم الإسرائيلي العسكري).

 

تفتيت السردية الفلسطينية لم يقتصر على الهوية المقدسية وحدها وإنما جاء بشكل متواتر مع تفتيت الهوية الفلسطينية وتقويضها، عبر سياسات الإبادة الثقافية عن طريق محو المعالم الفلسطينية وتدميرها أو استبدالها وتسميتها بتسمية استعمارية إسرائيلية مختلفة. وامتد ذلك إلى تزييف المناهج الدراسية للفلسطينيين داخل أراضي الاحتلال.

 

تجاوز السياق الاستعماريّ المتواصل في القدس بصفة خاصة وفلسطين بشكل عام الإطار الزمنيّ للتجارب الاستعماريّة الأخرى في العالم العربي، بالإضافة لاستمرار حضوره الشامل بالجهاز التمييزيّ الوحشيّ المفروض على الفلسطينيّين، والذي أصبح يحتل الكثير من مساحات الحياة اليومية للفلسطنين في القدس وباقي الأراضي المُحتلة، إلا أن هذا السياق ما زال يقوم بدور المصمّم المطلق للهُويّة المقدسية والفلسطينيّة وللواقع الفلسطينيّ السياسي والاجتماعي والثقافي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ناقش برنامج "ما وراء الخبر" خيارات الفلسطينيين والعرب في مواجهة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل على ضوء نتائج التحرك الخاص به في مجلس الأمن الدولي.

أيد 14 عضوا بمجلس الأمن الدولي مشروعا قدمته مصر يطالب بإلغاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، في حين عارضته الولايات المتحدة وحدها، واستخدمت حق النقض لإجهاضه.

توالت ردود الفعل المنددة باستخدام الولايات المتحدة الأميركية الفيتو ضد مشروع قرار طرحته مصر للتصويت في مجلس الأمن الدولي يرفض إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

الأكثر قراءة