السر الكبير لرواية "الخيميائي"

Blogs- الخيميائي

لتكون الكتابة رواية تحتاج لثلاث عناصر: مقدمة، وحبكة، وخاتمة، وأي شيء توفّرت فيه هذه الثلاثة يمكن وصفها بالرواية، مع اعتبارات وعناصر أخرى تندرج تحت ما سبق.

        

"الخيميائي" رواية كتبها باولو كويلهو، برازيلي الموطن موسيقيّ الهوى والهواية، ألف الرواية عام1988م بعد رحلته لإسبانيا، تُرجمت الرواية لعشرات اللغات، بِيع منها ملايين النُسخ، دخلتْ "قينس" من أوسع أبوابها، احتفت بها مئاتُ المكتبات، وتربّع الكاتبُ على عرشِ الأكثر والأول في عديد التصنيفات، الأكثر مبيعًا والأكثر ترجمة والأكثر قراءةً وأولُ من دخلت ترجماتُ روايتهِ "قينس حيـًّا"..الخ. 

  

تدور أحداث الرواية في مجملها حول شابٍّ يبحثُ عن أسطورته الشخصيّة، أو تحقيق الحلم، يتلقّى الشابّ "سنتياغو" أحلامًا وإشارات، يقرر المضيّ، وفي طريقه نحو حُلمه المنشود سيعبرُ محطات ويلْتقي بشخصيّات ويمرّ بمواقف ويشاهدُ حروبًا ويقع في الأسرِ ويقع أيضًا في الحب، صِعابٌ وإذلالٌ وحظ يبرُق ويخفت وحلمٌ دفين، كلّ ذلك -رموز- على سبيل العقبات التي نجحَ سنتياغو في تجاوزها، حتى الحبّ وما فيه من لوعة وتعلّق وحنين، لم يمنعه من متابعة طريقهِ نحو الأهرامات، موطنُ حلمهِ، يشاهدُ الكون في طريقه، يتأمّل ويفكر ويناقش ويتلقّى مزيدًا من الإشارات، ليصل أخيرًا فيجد أنها علامةٌ أخرى "رسالة- إشارة" للوصول إلى حلمه!

  

أما السرّ الكبير وراءَ الانتشار الواسع والصِيت الذائع لهذا الاسم اللامع "الخيميائي" هو حالة الضياع التي يعيشها الإنسان في عالمنا اليوم!

وفلسفة الرواية -الأسطورة الشخصية- تقوم على نصيحة الملك لسنتياغو هي "ما تمنيتَ دائمًا أن تفعله، كل منّا يعرف في مستهلّ شبابه ما هي أسطورته الشخصية، ولأنّ هناك حقيقة كبيرة في هذا العالم: فأياً كنت، ومهما كان ما تفعله، فإنك عندما تريد شيئًا بإخلاص، تولد هذه الرغبة في روح العالم، تلك هي رسالتُك على الأرض"، يجب أن نعترف أن باولو كاتب جميل وأديب استطاع بحرفيّة أن يُرصّع اسمه بالذهب في فضاء الأدب، له عديد الروايات التي ذاع صيتها، يمتاز بأسلوبه السهل وقدرته البارعة في تطويع الكلمات لخدمة النص.
    
ولكنّ السؤال: ما السر في النجاح المهول لرواية الخيميائي تحديدا؟ ورغم أنني سمعتُ في أحد البرامج انتقادًا للنسخة العربية من الرواية، لكنّ السؤال بعيدٌ عن نقد المحتوى في جانبه الأدبي، فالرواية أدبيًا -على ما تقدم من مدح الكاتب- لم تكن إبداعًا منقطع النظير، ولو كان التميّز الذي حازته لأسباب أدبية محضة لسبقتْ إليه روايات أكثر إبداعًا وبراعة، وما أكثرها! فما السبب إذن؟
 
لن نحتاج للذهاب إلى الأهرامات لمعرفة السر، ولستم بحاجة لذلك أيضا، ولكن علينا البحث عما وراء الرواية وتفكيك حقيقة النجاح ومعرفة أسبابه، أولاً، الرواية -على الحقيقة- كان يجب تصنيفها ضمن كُتب التنمية البشرية حتى تكون في مكانها الصحيح، وإذا عرفنا هذا فإن بابًا من السر سينكشف، فالرواية تسرد قضية الشاب المقبل على الحياة الباحث عن حلمه وتحقيق سعادته، وهذه هي رسالة كل الكتب التنموية باختصار، ولكنّها بدل القواعد والخطط، جعلها الكاتب في أسلوب روائي، وبعيدًا عن جمال السرد وروعة الأسلوب، لكننا لن نجد في الرواية فلسفة عميقة أو أجوبة لتساؤلات وجودية حقيقية، ولا تعالج القضية بقدر ما تتحدث عنها، بل كل ما فيها يمكن اعتباره نصائح للباحثين عن أحلامهم، وحثّ على السعي والجدّ، خاصة إذا عرفنا أن الكاتب نفسه يقول ذلك في حديثه عن الرواية "وكما الاستعارة في كتابي: كنت أشتغل وكان لديّ الشخص الذي أحب وكان لدي المال ولكني لم أحقق حلمي، حلمي الذي كان، ولا يزال، بأن أصبح كاتبًا!" فهو إذن، يكتب نصائح وإرشادات على طريقة خبراء التنمية البشرية، ولكن بطريقة أدبية.
 

يتحدث "باولو كويلو" في روايته عن تحقيق الحلم والبحث عن الأسطورة الشخصية
 

أما السرّ الكبير وراءَ الانتشار الواسع والصِيت الذائع لهذا الاسم اللامع "الخيميائي" هو حالة الضياع التي يعيشها الإنسان في عالمنا اليوم! إن الإقبال الكبير على الرواية لا يمكن تفسيره إلا من خلال فهم موضوع الرواية وفهم حقيقة القارئ -أو محاولة فهمها- فإنّ الذي يجمعُ هذا العدد الهائل من القرّاء الذين سعوا لاكتساب الرواية، وعبّروا عن فرحتهم بقراءتها -رغم عاديّة فكرتها وتكرارها في كثير من الكتب- هو حالة التيه التي يعاني منها الإنسان بالعموم، إنسان هذا العصر، حالة الضياع والظمأ الذي رسم له الكاتب سرابًا في سطور، هذا التيه، الضياع، الشتات الداخلي، صراع النفس والبحث عن الذات ومكابدة الحياة والتعطّش للاستقرار، هي العامل الوحيدُ والقاسم المشتَرك الذي يجمعُ كل الشباب في أي بقعة من هذا العالم.

 

مهما اختلفت ظروفهم وتنوعت طرق حياتهم، يجمعهم هذا العالم الموحش الذي أصبح غابة يأكل القويّ فيها الضعيف ويلتهمُ فيها رأس المال كل الحقوق وتشيب فيه مَفارق الولدان وتضيع في غياهبه حكمةُ الشيوخ، جاءَت "الخيميائي" لتخبرهم أنّ عليهم أنْ يبحثوا عن حلمهم ولا يتقفوا، وأنّ الحياة صعبة وأنّ في الكون إشارات يجب تتبّعها وفهم لغتها، وأنّ وأنّ وأنّ، فكان كمَن فسّر الماءَ بعد الجهد بالماءِ!

 
إن الشيء الوحيد الذي حقّقتهُ الرواية بجدارة، هو إثبات هذه الحقيقة، ولن نحتاج لجهد كبير لفهم هذا السرّ حين نعرف الكم الهائل الذي تحظى به كتب التنمية البشرية والمبالغ الطائلة التي تجنيها دورات التنمية، وهدفها الوحيد على اختلاف شعاراتها دومًا هو ما يدندن حوله الخيميائي "تحقيق الحلم والبحث عن الأسطورة الشخصية".

  
فهل تعالج الرواية شيئا آخر؟ أم تحمل رسالة أخرى؟ ابحث ما وسعك البحث، ولن تجد! فهل تستحق الرواية كل هذا النجاح لولا حالة الضياع التي يعيشها الإنسان في عالمه؟ لم استَفِد من الرواية شيئا ذا بال، اللهم إلا متعة المطالعة، ولكنّني مُمتن للكاتب على روايته، فقد عرفت من نجاحها مدى الفشل الذي يعيشه الشباب!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قرر مجلس الأمن تجديد العقوبات المفروضة على الصومال والتي تتضمن حظرا على الأسلحة يستثني قوات الأمن الوطنية، وسط انتقادات لعدم تضمن القرار إشارة لتداعيات تأثير أزمة الخليج على الصومال.

الأكثر قراءة