logo

التخصص العلمي بين الضرورة والخطورة

لا يختلف اثنان على أن العصر الذي نعيش فيه، عصر الانفجار المعرفي والتخصص العلمي الدقيق، إذ لم يشهد أي عصر تراكم معارف عن الإنسان بهذا الكم والنوع، ولم ينجح أي عصر في نشر تلك المعرفة والمتصلة بالإنسان بهذا اليسر والسرعة لعصرنا، ففي ظل السيولة المعرفية والنمو المتسارع للمعلومات والبيانات، ينشر سنويا أكثر من مليوني ونصف المليون من المقالات العلمية المتخصصة، بمعدل نمو يتراوح بين 4 و5 % سنويا.

يعزى التقدم العلمي والتقني في جزء كبير منه إلى بروز فكرة التخصص العلمي الدقيق، والذي يعالج إشكاليات وجزئيات في منتهى الدقة، ويجيب عن تساؤلات تفصيلية في مختلف مناحي الحياة، إلا أن التجزيء المستمر للمعرفة المتزايدة في النمو أنتجت لنا أنظمة تربوية ومجتمعات مغرقة في التجزئة والتخصص الفرعي وأنتجت بالتالي أفرادا يركزون بطريقة مبالغ فيها على أجزاء الحقيقة المختزلة، مما يُحوِل التخصص إلى سجن للوعي والإرادة، بحيث أن المتخصص يضع لنفسه مسارا يعزله عن قضية المجتمع ومصيره.

وهذا ما دفع المفكر علي شريعتي إلى تشبيه التخصص ببقرة أفلاطون، عندما يلمس واحد حافرها، وآخر قرنها، وثالث ذنبها، والنتيجة لا أحد يشعر بوجود حيوان، وهكذا التخصص يسبب انغماس الإنسان في إطار محدد وصغير جدا، مجردا عن المجتمع بصورة يصعب معها لمسه كجسم واحد شامل، وعلى هذا حسب شريعتي فالتخصص يعدم الدراية الاجتماعية كما يسلب الفرد إمكان شعوره بنفسه كإنسان مساهم في شتى وجوه الحياة، والسبب في ذلك كون التخصص يعمل على نمو الفرد من جهة واحدة ويعطله من سائر الجهات.

حينما يبدأ أحد الأطباء حياته العلمية بالتخصص في دراسة عضو صغير في الجسم، فإن معلوماته عن بقية أعضاء الجسم تصبح أولية، حيث يصبح عاجزا عن فهم هذه الأجزاء
 
ويذهب المفكر الإسلامي طارق رمضان إلى أن العالم الإسلامي اليوم مهوس باستيراد المعرفة دون أن ندرك بأن أكبر تحد يواجه الغرب اليوم لا يتمثل في المعارف وإنما في تشظي المعارف وتفتيتها، وحقيقة أن المعارف لم تعد مرتبطة، وأنه لم يعد هناك فهم جامع وشامل لوجودنا، حيث أصبحنا نطلب من العلماء والفقهاء والمتخصصين أن يجيبوا عن أسئلة محددة تتعلق بالتفاصيل دون أن ندرك أن المشكلة لا تتعلق بالتفاصيل وإنما بالمفهوم الشامل، وهذا ما يجعلنا نفقد الغايات والأهداف، مما يجعل التخصص مدمرا للمعرفة. في حين يرى الفيلسوف الفرنسي إدغار موران أن جميع العلوم والفنون تضيء الظاهرة البشرية كل من زاويتها الخاصة، مما يجعل هذه الإضاءات منفصلة عن بعضها البعض بمناطق غامضة عميقة، تجعلنا لا ندرك الوحدة المعقدة لهويتنا، فلا يتحقق الالتقاء الضروري بين العلوم والبشرية لإعادة صياغة الوضع البشري.

إن الانفتاح على العلوم الأخرى يرفع من المستوى الذهني والفكري للفرد والمجتمع ويمكنه من التعامل مع المواقف المستجدة كما يجب أن يكون، وفي هذا الصدد يرى ديكارت أن من يريد البحث عن الحقيقة بجد يجب عليه ألا يختار علما معينا فالعلوم مرتبطة بعضها ببعض ويستند بعضها إلى بعض، وليفكر في زيادة الاستنارة الطبيعية لعقله فحسب، وفي إشارة لطيفة إلى مفهوم التخصص بمعناه المعاصر، قام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي بالإشارة إلى ضرورة عدم إفناء العمر في فن واحد، حيث يقول: ولا تستغرق عمرك في فن واحد منها طلبا للاستقصاء فإن العلم كثير والعمر قصير.

من البداهة أنه لا يوجد عالم يستطيع أن يتحكم ويتفوق في جميع العلوم والفنون، إلا أنه يجب علينا في الوقت الذي نتخصص فيه في أي فرع من فروع المعرفة أن نحفظ كليتنا الإنسانية

تتمثل إحدى المشكلات المرتبطة بالخبراء والمتخصصين حسب فرانك فوريدي في أن تبصراتهم تقتصر على اختصاصاتهم إضافة إلى أنه لا يوجد دعم ثقافي لمشروع تحويل تلك التبصرات إلى خطاب عالم أوسع، فالتخصص لا يشجع فيها الباحثون على النظر إلى الصورة الكبرى وهو ما يتطلبه الواقع متعدد ومتداخل الأبعاد، ومعرفته تتطلب أن يعمل المرء عابرا مجالات وتخصصات مختلفة، ويشير إلى أنه ولسوء الحظ في الجامعة، فإن ضرورة التخصص تحول دون اكتساب المعرفة العامة التي تشكل شرطا سابقا لعمل المجتمع ذي التوجه المعرفي، وفي المحصلة فإن تلاشي المعرفة العامة يؤدي إلى حرمان المجتمع من شبكة أوسع من المعنى العام.

ويذهب ألكسيس كاريل في كتابه المشهور الإنسان ذلك المجهول إلى أنه من المستحيل أن يفهم العالم الأخصائي الإنسان ككل ما دام غارقا إلى أذنيه في دراساته الخاصة، تلك الدراسات التي تصرفه عما عداها، وكيف أن الإفراط في تخصص الأطباء يسبب ضررا أكثر، ذلك أن الطب قد قسم الإنسان المريض إلى أجزاء صغيرة لكل جزء منها أخصائي، فحينما يبدأ أحد الأطباء حياته العلمية بالتخصص في دراسة عضو صغير في الجسم، فإن معلوماته عن بقية أعضاء الجسم تصبح أولية، حيث يصبح عاجزا عن فهم هذه الأجزاء، بما فيها العضو الذي تخصص فيه، وهذا ما يحدث أيضا بالنسبة للمعلمين ورجال الدين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع الذين لم يحملوا أنفسهم مشقة توسيع دائرة معلوماتهم العامة عن الإنسان، قبل أن يختاروا موضوعا عاما يتخصصون فيه.

وهكذا كلما ازداد سمو الأخصائي في فئة ازدادت خطورته، فكثيرا ما اعتقد العلماء الذين أصابوا نجاحا بعيد المدى في فرع معين من فروع العلم، وبرزوا باختراعاتهم الفذة أن معلوماتهم الممتازة في هذا الفرع تمتد إلى باقي الفروع. ويعزى السبب في ذلك إلى المغالاة في التخصص حتى صاروا – يأخذون من نتائج ونظريات علومهم قواعد عامة يفسرون بها في كل المجالات؛ إلا أنه لا يمكن بأي حال اختزال الإنسان بهذه الصورة، وبناء على ذلك كله علينا أن نحسن استخدام الآراء وفق نظمها ونضعها ضمن إطارها وفي مجالها الخاص.

إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هل التخصص أمر لازم وضروري، وهل يكفي وحده في هذا العصر؟ لاشك أن الإجابة ستكون بالإيجاب المشروط، فالتخصص أمر لازم وأكثر من ضروري ولا ينبغي أن نعدمه، فمن البداهة أنه لا يوجد عالم يستطيع أن يتحكم ويتفوق في جميع العلوم والفنون، إلا أنه يجب علينا في الوقت الذي نتخصص فيه في أي فرع من فروع المعرفة أن نحفظ كليتنا الإنسانية وكليتنا الاجتماعية، والقاعدة هي أن تعرف شيئا عن كل شيء وأن لا تكتفي بمعرفة كل شيئ عن شيء.



حول هذه القصة

قالت دراسة حديثة إن أسلوب الحياة الصحي، مع ممارسة الرياضة بصورة منتظمة وعدم التدخين، يرتبط بتراجع حدة الألم بين مرضى التصلب المتعدد.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة