انتحار الزهور

blogs حزن

يمر المرء أحيانا بظروف قاتمة ويبتلى بما لا يحبذ في حياته فيجد نفسه في لحظات ضعف تتراكم وتتراكم حتى يساوره حل قطع الطريق على ما ينتظره من أيام. هكذا يفسر البعض الانتحار كظاهرة سلبية في مجتمعاتنا التي غزتها السرعة والتوتر والضغط.

الانتحار هو خيار يتجه له اليائس كحل لمشكلة لن تكون أشد وقعا عليه من النتيجة التي اختارها لنفسه. هو حالة نفسية تصعيدية يشوبها شيء من الغموض اذ ليس فيها تأثير إيجابي لحل الصعوبات التي يمر الفرد بل لها على العكس هي ذات تأثير سلبي على الفرد والمجتمع خصوصا فئة المراهقين والشباب الذين يميلون للتقليد ومجرات بعضهم البعض.

ومما لا يخفى على المتابعين للشأن العام في تونس، ارتفعت أعداد مفارقي الحياة بسبب الانتحار خاصة من الشباب. حيث تتالت أخبار الانتحارات وفي ذلك إشارة لحالة من اليأس أو القنوط في صفوف هذه الفئة وباتت تعبير عن الغضب والإهمال والرغبة في لفت النظر.

على المجتمع أن يعمق فكرة الحياة ويوفر ما أمكن من الإحاطة بذوي الفئة العمرية الوسطى. ويحفز الأفراد على حل مشاكلهم وتجاوز الصعوبات الحياتية بحكمة والاستفادة من التجارب السابقة

ذلك أن ظاهرة قتل الفرد لنفسه بنفسه أصبحت كتمظهر لرغبة المراهق في توجيه الاهتمام إليه وتحويل محور انشغال الأسرة والمجتمع به، وقد تكون مجرد "تهديد" فحسب يعدل عنها بمجرد تحقق الغرض منها. أي أنه ربما يشرع في المحاولة ومن ثم يتراجع فقط لكي ينبه أنه قادر على اتمامها بنجاح إن تواصل إهماله وعدم مسايرته. أو ربما يثير الأمر بمجرد التلميح لا التصريح ليرن ناقوس الخطر لدى العائلة والأصدقاء والمجتمع.

ولعلنا نفسر هذا التزايد في الظاهرة بشكل من أشكال التعبير عن الاحتجاج والتظلم الذين تعاظم منسوبهما خصوصا بعد الثورة التي فتحت الباب مشرعا على الاحتجاج والاعتصامات والوقفات والإضرابات، ولا نغفل أن رمز إطلاق شرارة الثورة في تونس كان الانتحار في حد ذاته حيث اختار البائع البسيط محمد البوعزيزي صاحب العربة ورمز الثورة التونسية هذا الأسلوب للتعبير عن احتجاجه وألمه من الوضع الصعب الذي عاشت تحت نيره البلاد في عهد المخلوع. وبعد تلك اللفتة المنبهة باندلاع شرارة الر بيع العربي تتالت المحاولات بنفس الطريقة سواء للتعبير عن الاحتجاج أو الغضب أو اليأس أو غيره.

ولا يكفينا نقد هذه لفكرة تناول البعد النفسي والمجتمعي بل ربما علينا التركيز جيدا عن كون الانتحار لا يصنفه المشرع التونسي كجريمة بذاتها بل انه لا يسند عقابا لمن يقتل نفسه بنفسه سواء حقق ما قصده أم لم يحققه. أي فاعل الانتحار أو محاوله ليس مؤاخذا قانونا ولا يعاقب على فعلته. بل اقتصر التجريم على المشارك بمعنى أنه من ساعد المنتحر على انتحاره يعاقب. ذلك ما نص عليه الفصل 206 من المجلة الجزائية التونسية "يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام الإنسان الذي يعين قصدا غيره على قتل نفسه بنفسه".
وقد يساند هذا النهج القانوني القول بكون المنتحر قد عاقب نفسه بنفسه واختار الموت كحل لمشاكله وبذلك يكفيه ما أصابه حيث أنه مات ولم يعد له وجود في حين أن الزجر هو عقوبة شخصية تسلط على الفاعل ولا يرثها فروعه ولا يؤاخذ بها أصوله. ولذلك نسب المشرع عقابا للمشارك الذي يحرض المنتحر أو يعينه بتوفير المعدات أو غيرها المساعدة له على إنجاز رغبته. وهو بذلك وكأنه قتله بطريقة غير مباشرة.

لكن السؤال ربما يطرح عن المحاول للانتحار حيث لا يعاقب بـأي عقوبة رغم اعتماد القانون في غير هذه الحالة لمعاقبة المحاولة بنفس عقاب الجريمة. وبهذا التساهل يقع استسهال المحاولة الغير مجرمة ونجد عديد المراهقين يعزمون ثم يعدلون عن الفعل ولا يعاقبون بل يجدون احتضانا مرغوبا من الأسرة التي أوشكت على فقدان أحد أفرادها ومن المجتمع عموما.

هنا لا بد من الإشارة لكون المجتمع مسؤول في ذاته على تزايد المعضلة ابتداء من الإطار الأسري إلى المجتمعي. فالمجتمع هو من يطالب بتوعية أفراده على نبذ هذه العادة السيئة التي لن تقدم حلا مطلقا للمشاكل.

على المجتمع أن يعمق فكرة الحياة ويوفر ما أمكن من الإحاطة بذوي الفئة العمرية الوسطى. ويحفز الأفراد على حل مشاكلهم وتجاوز الصعوبات الحياتية بحكمة والاستفادة من التجارب السابقة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

رفضت جماعة الحوثي تسليم جثة قائد اللواء الثالث حزم العميد ركن عمر سعيد الصبيحي، الذي قتل السبت الماضي وهو يقود المعارك في جبهة ذوباب بالساحل الغربي لليمن.

الأكثر قراءة