الدولة والطّبقات في أمريكا.. أو من هم الفقراء؟

blogs – people
يبلغ "ستيف" – شخصيّة مختلَقة- اثنين وأربعين عاما، وتمَ تشخيصُه منذ سنوات بالفصام. ستيف حصل على بدل الإعاقة "Disability" بعد تشخيصه بسنة تقريبا، ويتقاضى من يومِها راتبا شهريا من الحكومة قدره 1200 دولار، ويسكن في بيت صغير، عبارة عن "ستوديو"، وذلك بمساعدة برنامج الحكومة للإسكان، وهو كذلك مؤمَّن من خلال التأمين الحكومي "Medicaid" حيث تنطبق عليه الشروط اللازمة، وهو معفى لذلك من أكثر تكاليف الرعاية الصّحّيّة. ستيف يرى أنّ وضعَه الآن مستقرّ بالنّظر إلى مرضه وظروفه العامّة. يعلم أنّه لا يعيش حياة مُترَفة، لكنّه يشعر أنّ حاجاتِه الأساسيّة مؤمّنة.

المشكلة الأكبر في النظام السياسي-الاقتصاديّ في الولايات المتّحدة هي تلك الفئة الواقعة بين الأشد فقرا وبين الطبقة الوسطى، أي ذلك الطيف الممتد من وسط الطبقة الوسطى نزولا إلى الأشد فقرا

"كارين" -شخصيّة مختلقة أخرى – في الثامنة والثلاثين من عمرها، تقلّب تشخيصُها في السنوات الثلاث الأخيرة بين اضطرابات الاكتئاب والقلق واضطرابات الشّخصيّة. كارين طُلِّقت من زوجها متعاطي الكحول والمخدّرات قبل أربع سنوات، ويعيش معها ولداها منه، عمرهُما ثلاث سنوات وسنة.. تعمل كارين في متجر معروف، وتتقاضى 1800 دولار. كارين ليست مؤَهَّلة للحصول على إعانة من الضمان الاجتماعي لأنّ لديها وظيفة، وهي ليست مؤهّلة للحصول على التأمين الصحّي الحكومي "Medicaid" لأنّ راتبَها أعلى من الحدّ الأعلى الذي تتوقّف الدولة عندَه عن منح هذا التأمين، ولذا فعليها أن تشتريَ تأمينَها الصّحّي من خلال العمل، أي أنّها تدفع 300 دولار شهريا للحصول على التأمين الصحي.
 

تُضطَّر كارين لترك طفليها في حضانة للأطفال كي تذهب للعمل، ولهذا تكلفة معتبَرة، ويكفي ما تبقّى من راتبِها بالكاد لفواتير الخدمات وإيجار شقّتِها المتواضعة والكائنة في حيّ مشهور بشيوع المخدّرات. حلم كارين أن تخرج بأطفالِها من هذا الحيّ، أما تكاليف دراستِهم الجامعيّة فلا تحلم بتوفيرها، وسيكون على ولديها أن يحصلا على قرض حكوميّ للتعليم الجامعي، سيُضطران لاقتطاع جزء من راتبهما لسنوات طويلة من أجل سداده. كارين لا تكاد ترى أيّة نتيجة رغم عملِها المرهِق، حيث تشعرُ أنَها ليست فقيرة بما يكفي لتحصل على مساعدات الحكومة، لكنّها ليست ميسورة الحال إلى درجة تُشعرُها بالطمأنينة ولو لبضعة أشهر قادمة.
أيّهما أفقر، ستيف أم كارين؟
 

فشل تبسيطات اليسار واليمين:
كثيرا ما تُنتقَد الدّولة الغربية، وأمريكا خصوصا، من اليسار باعتبار أن السياسات الاقتصاديّة لهذه الدولة لا تعبأ بالفقراء، ولا تُقدّم ما يكفي من الضّمان الاجتماعي للأفقر والأقلّ حظّا. لكنّ الولايات المتّحدة تنفق في الحقيقة أموالا طائلة ضمن برامج لإعانة الفقراء والمتعطّلين عن العمل، تشمل بدلات الضمان الاجتماعي، وبدلات الإعاقة، وكوبونات الغذاء للأشدّ فقرا، والتأمين الصحي الحكومي Medicaid، وبرامج تيسير الإسكان، وغيرها. بالتّالي، فالولايات المتّحدة هي دولة ضمان اجتماعيّ إذا ما نظرنا إلى سياساتِها بمنظور الفئة الأشدّ فقرا، أو من لا يتحرّج أحد من وصفهم ب"الفقراء"، و "ستيف" مثال عليهم.
 

لكنّ المشكلة الأكبر في النظام السياسي-الاقتصاديّ في الولايات المتّحدة هي تلك الفئة الواقعة بين الأشد فقرا وبين الطبقة الوسطى، أي ذلك الطيف الممتد من وسط الطبقة الوسطى نزولا إلى الأشد فقرا، وهذه الفئة تشمل كثيرا من الموظّفين في الأعمال الصغيرة والمتوسّطة، بل حتى بعض أصحاب المشاريع الصغيرة، أي أولئك الذين عليهم أن يعملوا من ثماني إلى اثنتي عشرة ساعة يوميّا لدى غيرهم أو حتى في مشاريعهم الخاصة ليطمئنّوا إلى سدّ حاجاتِهم الأساسيّة وتوفير قدر ضئيل من المال للمستقبَل. هذه الفئة الأغنى من أن تستحقّ إعانات الحكومة، والأفقر من أن تنام شبه مطمئنّة إلى مستقبلِها.
 

هؤلاء هم أغلب من يُشيرُ إليهم الوصف المشهور "الطبقة العاملة" أو "Working People"، والإشارة إلى هؤلاء في غاية الأهمّيّة عندما يكون النقاش متعلِّقا باليمين واليسار والسياسات الاقتصاديّة، فالخطاب اليساريّ يتحدّث باستمرار عن الفقراء ومظلوميّتِهم، وينحو باللائمة على البرجوازيّة التي تتحالف مع الدولة لترسيخ النظام الطبقيّ الذي يجعل من الفقراء فقراء ويُشكّل شرطا أساسيّا لديمومة فقرهم، لكنّ الأمر ليس كذلك دائما، وهو ليس كذلك في الولايات المتحدة على الأقل، ففي الوقت الذي توفّر فيه الدولة ضمانا اجتماعيّا من نوع ما للطبقة الأفقر، تترك الدولة الطبقة الوسطى لتقلّبات خطيرة تجعلها دائما في مهبّ الريح.
 

"أكبر من أن يُسمَح له بالانهيار"، وهو تعبيرٌ يُطلق على البنوك والشركات العملاقة التي لا يمكن للدولة أن تسمح بانهيارِها لأنّ انهيارَها يعني انهيار أسواق المال

وما يزيد الأمر سوء أنّ الدولة التي لا تتدخل كثيرا لمصلحة الطبقة الوسطى، لا تُمانِع في أن تتدخّل لإنقاذ المؤسسات المالية الكبرى والبنوك والشركات الضخمة عندما تقع هذه المؤسسات في ورطات اقتصاديّة ضخمة سببُها الجشع والتهوّر والرغبة في الربح السريع والفاحش، وغير المبنيّ على إنتاج اقتصاديّ حقيقي في كثير من الأحيان. هذا بالضبط هو ما حدث في الأزمة الماليّة الخطيرة عام 2008، فالدولة تدخّلت ودعمت البنوك المتهوّرة بمليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب وأكثرهم من أبناء الطبقات الوسطى والدنيا، وهذه الدولة نفسُها تغاضت عن استحواذ واسع النطاق من قبل البنوك على البيوت التي عجز أبناء الطبقة الوسطى عن سداد أقساطِها بسبب الأزمة نفسها.
 

هذا هو بالضبط مبدأ "too big to fail" أي "أكبر من أن يُسمَح له بالانهيار"، وهو تعبيرٌ يُطلق على البنوك والشركات العملاقة التي لا يمكن للدولة أن تسمح بانهيارِها لأنّ انهيارَها يعني انهيار أسواق المال، وبالتالي انهيار أهمّ مكوّنات النظام الاقتصادي الحديث.
 

هذا الأمر شديد الأهمّية فيما يتعلّق بنقاشات الليبيرالية واليساريّة في بلادنا، فالولايات المتحدة ليست نظاما ليبيراليّا بالمعنى الكلاسيكيّ، أي دولة لا تتدخّل في السوق إلا للمراقبة وضمان العدالة ومراعاة القانون، بل هي نظام نيوليبيرالي، يتدخّل في السوق، لا لمصلحة الفقراء، ولكن لمصلحة الأغنياء، بل لمصلحة الأشدّ غنى. كثيرا ما تُهاجَم الليبيرالية والسّوق الحرّة استنادا إلى نموذج اقتصاد الولايات المتحدة، وهذا خطأ كبير، فما يحدث في الولايات المتحدة هو شكلٌ خطير ومتطرّف من النيوليبيراليّة، وليس أبدا نموذج السّوق الحرة التي لا تتدخل فيها الدولة إلا للضمان والمراقبة.
 

نحن إذا أمام نموذج تفشل معه التحليلات اليساريّة التقليدية فهما ونقدا، فنحن أمام دولة تقوم بالآتي:

تقدّم ضمانات اجتماعيّة ومادية للفقراء بمليارات الدولارات، وبالتالي فمشكلتُها الأساسيّة ليست في غياب الضمان الاجتماعيّ وبرامج رعاية الفقراء. صحيح أنّ هذه الأموال لا تخرجُهم عن كونهم فقراء، وبالتالي فدعم الفقراء هذا يُساهِم في ديمومة النظام الطبقيّ (وللمفارقة فاليمين واليسار يتفقان على نقد الدولة في هذه النقطة ولكن ضمن إطارين نظريين مختلفين، فاليسار يتّهم الدولة بإبقاء الفقراء فقراء وإلهائهم عن الثورة ضدّ النظام غير العادل بهذا الفُتات الذي يُقدَّم لهم، فيما يتّهم اليمين الدولة بإدامة فقر الفقراء من خلال تقديم معونات تعلّمهم الاتكاليّة وتحرمهم من فرصة اكتشاف طاقتهم الكامنة وقدرتهم على أن يكونوا بشرا أفضل وأكثر إنتاجية لو امتلكوا الإرادة).

تتدخّل لمصلحة الأشدّ غنى – وهي بالتالي ليست ليبيراليّة بالمعنى الكلاسيكي- وتترك الطبقة الوسطى والوسطى الدنيا تواجه سوقا متقلّبة وهزّات اقتصادية خطرة أوضاعا اجتماعيّة في غاية الاضطراب.

وعليه، تتجدّد الحاجة دائما لتطوير النقاش بخصوص الدولة وعلاقتها بالطبقات في كلّ سياق بما تُمليه حقائق ووقائع ذلك السياق، أما التبسيطات المرتبطة بكلّ من اليمين واليسار فلا تعدو في كثير من الأحيان أن تكون "كليشيهات" تُعرّف بمطلِقِها وانحيازاتِه أكثر مما تُساعد على الفهم والنقد والإصلاح.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلن رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف فوز حزب "روسيا الموحدة" الحاكم بالانتخابات التشريعية التي أجريت أمس الأحد، وهو ما سيتيح للرئيس فلاديمير بوتين التحضير لترشحه لولاية رابعة في 2018.

مددت المحكمة المركزية الإسرائيلية اعتقال رئيس التجمع الوطني الديمقراطي عوض عبد الفتاح وعدد من أعضاء الحزب داخل الخط الأخضر أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة ارتكاب مخالفات مالية وتبييض أموال.

أفاد مراسل الجزيرة بريف دمشق بأن شاحنة من ضمن قافلة مساعدات إنسانية دخلت مدينة معضمية الشام المحاصرة بريف دمشق الغربي، موضحا أن القافلة تضم سبع شاحنات تحتوي على مساعدات غذائية.

الأكثر قراءة