هل بات الإعلام الجديد أداة تدمير للحركات الإسلامية؟

Blogs – Newspaper

مع بداية انتشارها بمختلف أرجاء الوطن العربي مطلع الألفية الثالثة، تعامل الجيل الشاب في الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وأذرعها المختلفة في العديد من الأقطار العربية بتفاعل شديد مع ثورة وسائل الإعلام الجديد، وهو الأمر الذي لم يكن التعامل يتم معه بذات الشاكلة من قبل الجيل المؤسس والشيوخ في تلك الجماعات، حيث اعتبروا تلك الوسائل "ضارة للمجتمعات" وتُضيع أوقات الشعوب الثمينة!
 

ساهمت الشعوب في تأجيج الرأي العام على العديد من إخفاقات الإسلاميين في الحُكم، فأودعتهم مرةً أخرى السجون والمعتقلات، وقطعت علاقة القادة بالعناصر.

مضى الإعلام الجديد يشق الطريق بين مؤيد ورافض، حتى انتهى العقد الأول من الألفية الثالثة وبدأ العقد الثاني الذي انطلقت معه ما عُرفت بـ" ثورات الربيع العربي"، ومع اتساع رقعة تلك الثورات وقع قادة التنظيمات الإسلامية في حرجٍ شديد نتيجة تلمسهم الدور الكبير لهذه الوسائل في حشد الجماهير حول قضاياها المطلبية، وسرعة نقلها للأحداث الميدانية، وصولاً لإسقاط العديد من الزعماء والقادة العرب وإن كان "شكلياً فقط" في ثورات شعبية اجتاحت العالم العربي.
 

وكنتيجة حتمية لعودة الحركات الإسلامية وتقلدها لسدة الحُكم في العديد من البلدان والعواصم العربية "دون إجراء الدراسات المناسبة لكل حالة" جعل الكثير من أفئدة الناس تهوي إليهم، ففتحت تلك الحركات أذرعها للقادمين عليها، المتزاحمين للقعود في ظلال ألويتها المنتشرة داخل العديد من البلدان العربية، هذا الإقبال الكبير على الحركات الإسلامية فشلت قيادة تلك الحركات في استيعابه جيداً ودمجه في محاضنها التربوية المناسبة كي يتشرب أفكارها ويصبح مدافعاً عنها بدلاً أن يتحول لمعاول هدم من الداخل في مرحلة المحنة التي تعيشها تلك التنظيمات في الوقت الراهن.

خلال فترات الحُكم التي قادت فيها الحركات الإسلامية، ولأنها كانت تتعامل بشيء من عدم الاهتمام مع وسائل الإعلام الجديد القادمة إليها من بعيد، ورغم إدراكها لأهميتها في الثورات التي جلبتها على سدة الحُكم، ساهمت الشعوب، بل وأبناء تلك التنظيمات الذين لم يتشربوا أفكار تلك الحركات جيداً في تأجيج الرأي العام على العديد من إخفاقات الإسلاميين في الحُكم، فأودعتهم مرةً أخرى السجون والمعتقلات، وقطعت علاقة القادة بالعناصر، وهكذا تاهت البوصلة مرة أخرى.

ما من شكٍ فإن الإعلام الجديد وسائل يتفاعل معها الملايين في المجتمعات العربية وغيرها على اختلاف أفكارهم وتوجهاتهم، وهي سفينةٌ باتت تشق عباب البحر ولا تأبه بأمواجه المتلاطمة، وإن لم تركب أنت في تلك السفينة خلال رسوها بمحطتها الأولى، فهذا يجعل المهمة قاسيةً عليك إن فكرت متأخراً بملاحقة تلك السفينة التي ستكون سبقتك أميالاً بعيدة من المسافات، وما دامت هذه الوسائل تلقى هذه الحالة من الشغف فتجاهلها من قبل أي من الحركات أو الجماعات قد يقلب الأوضاع ضدها وهي تعيش حالة من الاطمئنان كما حدث مع جماعة الإخوان المسلمين في أكثر من قُطر عربي.

التواصل "إن وُجد أصلاً" فهو يكون شكلياً في التنظيمات والحركات وليس من باب النُصح والإرشاد وتبادل المشورة ما بين العناصر والقيادة.

إن ما يجعل من وسائل الإعلام الجديد أدوات مهمة لتوجيه وتحشيد الرأي العام سواء على الحق أو الباطل، كونها تشكل فضاء مفتوحا للجميع، وبإمكان أي شخص من المجتمع الإدلاء برأيه في أي وقتٍ ومن أي مكان والوصول لآلاف الأشخاص في أقطارٍ ومدن مختلفة، بل إن المنشور الواحد بالإمكان حشد الآلاف من خلفه حتى وإن كان تافهاً للبعض.

أمام هذه الحالة بات الكثير من أبناء الحركات الإسلامية وأذرعها المختلفة يستغلون هذا الفضاء لنشر مشاكلهم الخاصة للغاية، وبالتالي تعريف الخصوم على ما يدور داخل تلك الجماعات، وتوفير معلومات مجانية، وفي الكثير من الأحيان دقيقة في الحساسية للخصوم والمتربصين، لكن وللحق وإن كانت عملية النشر لتلك القضايا تتم في الأماكن غير المخصصة لها يتحمل مسئوليتها الناشر، إلا أن هناك أطرافا أخرى تتحمل المسئولية وإن عملت جاهدة للتنصل منها، فالجيوش التي تسيطر في العديد من الأقطار العربية على أنظمة الحكم وتفصل قادة الحركات الإسلامية عن العناصر بفعل الملاحقة والاعتقالات تعتبر أحد الأسباب.

كما أن غياب التواصل الحقيقي "وهذا الأهم" ما بين القاعدة والقيادة داخل العديد من التيارات الإسلامية يشكل أحد أسباب بحث العناصر لفضاء يتحدثون من خلاله عن مشاكلهم وهموهم في ظل ابتعاد القيادة عنهم وفتور العلاقة والتواصل معهم، بالإضافة إلى أن التواصل "إن وُجد أصلاً" فهو يكون شكلياً في التنظيمات والحركات وليس من باب النُصح والإرشاد وتبادل المشورة ما بين العناصر والقيادة، وهذا ما يصنع الخلل ويهدد بهدم صروح تلك الجماعات التي شيدتها على مدار عقود من الزمن من الداخل، وبأدوات الأنصار وليس المتربصين والأعداء.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

إعلامي وداعية سعودي؛ درس الإدارة لكنه عمليا كرس حياته للعمل الإعلامي التثقيفي، حيث اشتهر بتقديم البرامج التلفزيونية الساعية "للتأثير الإيجابي" في حياة الناس وغرس قيم الثقافة التطوعية في نفوسهم.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي ينشر الجميع ما يريدون، تبث مواقع الأخبار الزائفة أكاذيبها كالطوفان، فأين تقف وسائل الإعلام التقليدية؟ وكيف لها أن تحافظ على ثقة جمهورها وعلى هويتها ومصداقيتها؟

الأكثر قراءة