الهاوية.. هل هي قرار؟!

Blogs – rope

هو لا يُفكر الآن إلاَّ في تلك القفزة، متناسياً كل التهديد الذي هددته الأم ألاَّ يقترب من ذلك السور.. هو كُل أمله ليتخلص من تلك المنطقة الفقراء، عَرض ذلك السور لا يتجاوز المتر ونصف المتر لكنه أطول ارتفاع قد يقفزه طفل يعد عمره على أصابع اليد الواحدة. "يجب أن أقفز لأمرح" أقرانه في الجهة الأخرى يلعبون وهو يريد أن يكون معهم، صحيح هو لا يراهم لكن دون شَك سيفرح لمّا يعبُر، سأتخلص من تلك المنطقة الكئيبة.
 

في الجهة الأخرى من المشهد أبعد من أن يراه الطفل أو يرى هو الطفل، شابٌ تجاوز عمره الثلاثين يتسلق -بهمة المحارب- جبل أطول كثيراً من تِلك العمارة ذات الست أدوار التي يسكن صاحبنا في (سطوحها).

الاكتئاب أشبه بالاستحواذ الذي يلتهم ذاتك الداخلية حتى تُصبح فارغاً لا أنت حزين ولا سعيد، خارجك ليس له علاقة من قريب أو من بعيد عما يجول داخل أعماقك، أن يُصبح الشخص عظاماً يكسوها الهَم.

الأماكن المرتفعة لم تكُن تروقه أبدا وليس من هواياته تسلق الجبال بالطبع، لكنه يرى في قمة هذا الجبل: الخلاص، وسيلة عبور للحياة الأخرى، صحيح يخاف منها لكنها بكل تأكيد أهون من حياته البائسة.
 

يخاطرا بكل ما يملكون.. لعلنا نصف الطفل بالشجاعة أما الشاب الثلاثيني فهو مجنون لا شك، ولا نرى في ذلك تناقض! وهل الشجاعة إلاَّ مُخاطرة؟ وهل المُخاطرة إلا جنون؟ كلاهما شجاع وكلاهما مجنون.

المُنتحر يرى كثيرُه قليل.. يرى نِعم غيره ولا ينظر إلى نعمه، لعله فقد بعضها ولكنه مازال يملُك الكثير، وأعظم ما فقد هو الإحساس بالجمال -فإدراك الجمال في الحياة والقدرة على الاستمتاع به نعمةٌ- لا تُشكَر إلا بتقديسه.

الانتحار هو تلك الوسيلة لإنهاء ضغوطات الحياة، هو قرارك بأن تُنهي تلك الفوضى حتى لو أدي الأمر لفوضى أكبر، ولعلك انتحرت من قِبل حين فشلت في حل بعض أسئلة امتحان ما فقررت تسليم ورقة إجابتك قبل انتهاء الوقت المُحدد للاختبار مع عِلمك أنك سترسب، ولكن دفعك لذلك رغبتك لإنهاء ضغوطك -التي عجزت أن تتعامل معها- ولو لبضع لحظات فقط.

دوافع الانتحار أشد تداخلاً وتركيباً من أي فعلٍ بشري آخر ولخصها أحد علماء النفس في (رغبةٌ في القتل، رغبةٌ في الموت، رغبةٌ أن يُقتل) أو هو عدوان تجاه الداخل كما أخبر فرويد حيث أنه المستوى الأعلى من مستويات إيذاء النفس.

وغالباً لا ينوي المُنتحر بين ليلةٍ وضُحاها أن يشنُق نفسه لكنها مراحل مُتدرجة ولعل أكثر تلك المراحل أهمية هي "الاكتئاب" وهو صاحب نصيب الأسد من أسباب الانتحار، نحن لا نُفرق بين الاكتئاب كمرض نفسي خطير وبين الحُزن الذي هو شعور بشري عادي يحدث نتيجة التعرض لحادث مؤلم ينتهي بانتهائه.

الاكتئاب أشبه بالاستحواذ الذي يلتهم ذاتك الداخلية حتى تُصبح فارغاً لا أنت حزين ولا سعيد، خارجك ليس له علاقة من قريب أو من بعيد عما يجول داخل أعماقك، هو فقدان نِعمة الإحساس بالجمال ومعطياته، هو فقدان القدرة على التلذذ، أن يُصبح الشخص عظاماً يكسوها الهَم، ويظُن علماء البيولوجيا أن أحد أسباب الاكتئاب هو تدمير مراكز المُخ المُـفرزة لبعض المواد المسؤولة عملية الاستمتاع مع بعض العوامل النفسية، والاجتماعية الأخرى بلا شك.

فماذا يجب أن ننتظر من شخص فقد كُل قدرته على التعاطي مع مجتمعه ولكنه اكتسب تعاطياً من نوعٍ آخر فتجده يهرب من تلك الحياة البائسة لكل أنواع المُخدرات النفسية والكيميائية حتى يُدمن أحدها تماماً، تتحطم شبكة علاقاته تباعاً حتى يجد نفسه وحيداً.

يحاول صاحبنا جاهداً أن يُثبت لنفسه أنه مازال حياً ولعل أذيته لنفسِه وتعذيبه لها والألم الناتج عن تلك العملية هي أحد أكثر الوسائل التي تُشعره بحيويته حتى إذا اعتاد ذلك المستوى من الألم فيُزيد أذيته مرةً بعد مرة حتى ينتقل إلى المستوى الا على ليُصبح الأمر الوحيد الذي قد يُثبت له الآن أنه كان حياً إذا مات أو بالأحرى قتل نفسه، رغبةٌ في القتل ورغبة في الموت.
 

فتُصبح النهاية المُتوقعة لمرضى الاكتئاب الحاد -إذا لم يتوفر لهم العلاج- هي الانتحار. ولكن طبقاً للإحصاءات المُعدة من قبل منظمة الصحة العالمية نجد أن عدد المُنتحرين حوالي المليون سنوياً وهو عدد أقل كثيراً من حالات الاكتئاب التي تتعدى ال٣٠٠ مليون فرد ولعلّ هذا التباين الشديد يؤكد أن عامل الاكتئاب -وإن كان مُهما- إلا أنه ليس العامل الوحيد في معادلة الانتحار، فالأمر يتطلب أيضاً فقدان كل المعاني الدينية -إن كانت موجودة سلفاً-، كما يتطلب توالي الضغوطات والمصائب، مع قليل من الإحساس بالظلم، وأخيراً الكثير من الشجاعة للإقدام على تلك الخطوة.

والنظرة المادية القاصرة لا تُفرق بين الانتحار والتضحية! بالطبع هُنـاك فارق كبير لا يمُكن إهماله بين الانتحار كوسيلة للتخلص من الحياة في ظل عدم وعي صاحبها وانعدام الأمل الذي قتله في نفسه قبل أن يُلقي بها للتهلُكة وبين التضحية بالنفس التي تُعد أنبل طُرق الانتقال للحياة الأخرى فهذا قرار لا يأخذه صاحبه إلاّ وهو في أقصى درجات وعيه متمنياً ومتوقعاً أن حياته تلك التي يُخاطر بها ستُحرر بلاده أو تنصُر دينه أو تحمي ذويه فهو وإن مات فالأمل فيه حيٌ يُرزق.
 

وإن كان تطور الإنسان من أصل حيواني هو أمر يُثبته الظاهر إلا أنه خلا من الجوهر(جوهر الحياة)، والانتحار قد يُثبت مع غيره من الأدلة أن الإنسان ليس-فقط- حيوان ذكي، فهُناك عقول لحيوانات أذكى وأكثر تطوراً من الإنسان لكننا لم نرى فصيلة من الحيوانات يشيع فيها الحزن ويكتئب ثم تنتحر كما لم نجد فيهم التضحية بالنفس في سبيل هدف غير مادي، فإن كانت نظرة داروين صحيحة "بيولوجيا" فهي -بالتأكيد- ليست كاملة؛ فالإنسان بيولوجيا وروح، ظاهر وباطن.

أحسِن التعامل مع ضغوطك، تفهم نفسك واحتياجاتها، وأحسن التعامل مع غيرك فإن كُنت سبباً مباشراً أو غير مباشر في تعرض أحدهم بالظلم، فاحذر لأنك الآن واحدًا من أهم أسباب الانتحار في العالم.

النظرة المادية تدعونا لأن ننظر للخارج فقط، والانتحار كغيره من الظواهر النفسية لا يُمكن التعامل معه إلا من خلال ارتداء تلك النظارات ذات الثلاث الأبعاد اللي تُطلعك على كُل الجوانب النظرة ذات البُعد الواحد خاطئة ومُضللة.
 

ومهما تعمقنا أو حللنا سيظل الانتحار وفلسفته استفهاماً مُستعصياً يفتح باب ليُلهم الأدباء والعلماء والمحللين ليتعمقوا فيه، فإذا استقبحته قفز إلى عقلك: ثورات الربيع العربي وغيرها من الأمور العظيمة التي لم تبدأ إلا بانتحار أحدهم! وإذا حاولت تعظيمه تبادر إلى ذهنك عدد من أنهوا حياتهم سُدىً مُدمرين حيوات كثيرة غير حياته التي أنهاها.

وكُل حالة انتحار جديدة تفتح التساؤل مَرة أخرى هل المُنتحر هو ذلك الكافر الجبان الذي خاف مِن أن يواجه الحياة فهرب منها؟ أم أنه الشُجاع الذي جابه ما نخشاه وفتح صدره للموت؟!
 

وأُنهي مقالي ناصحاً لك يا صديقي أن تحذر فداخل كُل منا (مُنتحـر صغير).. فأحسِن التعامل مع ضغوطك، تفهم نفسك واحتياجاتها، ولا ضرر من زيارة الطبيب النفسي، وأوصيك ونفسي أن تُحسن التعامل مع غيرك فإن كُنت سبباً مباشراً أو غير مباشر في تعرض أحدهم بالظلم، أو إن كُنت سبباً في إشعال صراعٍ ما، وحتى إن لم تكن ذلك ولا ذاك لكنك تحمل داء التمييز والعنصرية في قلبك حيث تُعامل من هم من جنسٍ أو لونٍ أو دينٍ مختلف عنك بدونية فاحذر لأنك الآن واحدًا من أهم أسباب الانتحار في العالم، فلا تلوم المُنتحر ولُم نفسك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

نصحت دراسة أميركية حديثة النساء بالتفاؤل والنظر إلى الجانب المشرق من الحياة، لأن ذلك أفضل لصحتهن، وقد يساعد في حمايتهن من أمراض كالسرطان والقلب.

"لا أدري، لكن الظروف تدفعنا للانتحار أو أن نصبح لصوصا". هكذا أجاب حمدي (ثلاثون سنة) عن سؤال بشأن تلبية متطلبات أسرته براتبه الذي لا يتجاوز تسعمئة جنيه (نحو خمسين دولارا).

"النيل واهب الحياة"، حقيقة معروفة تاريخيا عن مصر، لكنه بات يوفر الموت للهاربين من بؤس الحياة. بيد أن كوبري قصر النيل أصبح الوجهة المفضلة للراغبين في الانتحار.

الأكثر قراءة