أدوات الثورة المفقودة

المتابع للشأن المصري عقب انقلاب الثالث من يوليو يرصد حالات من الصعود والهبوط المتكرر للحالة الثورية في الشارع، بيد أنها في الفترة الأخيرة أصبح المؤشر في الهبوط منذ عدة شهور وبحكم الواقع فإن جماعة الإخوان المسلمين الفصيل الأكبر في مصر والمنقلب عليه يعد هو رأس الحربة في المعادلة السياسية بمصر، والتي تنال النصيب الأكبر من التنكيل والتعذيب والقتل المتعمد لشبابها ورموزها.

لكن بعد الانقلاب العسكري أصبح حال هذه الرأس في وجع مستمر من شدة الضربات المتلاحقه عليها داخيا وخارجيا تائهة في وحل الخلافات الداخليه، فمنذ الانقلاب -في وجهة نظري- ينقص الثورة عدة عوامل هامة تفقدها جماعة الإخوان:
 

1- غياب الرؤية المناهضة للعسكر
التيار الأساسي في مواجهة الانقلاب والحائط الصد وصاحب فاتورة الدفع الأكبر في المواجهة لا يملك رؤية حقيقية لمواجهة نظام عسكري غاشم ارتكب مجازر بشعة في حق المصريين، لكن عند سؤال الجماعة عن الرؤية في إسقاط الانقلاب تأتي الردود المعلبة في غلاف المؤامرات والبكائيات على اللبن المسكوب.. ولأن الثورات ليست بعيدة عن التاريخ فإن المعارضين للانقلاب العسكري في مصر لم يستفيدوا من تاريخ الثورات السابقه في مواجهة الأنظمة العسكرية أو الاحتلال الداخلي في أساليب المواجهة المختلفة والمتنوعة.
 

كشفت الشركة أن المصريين يخافون دائما من المستقبل وهو ما أوصت المجلس العسكري في نشر الإشاعات المستقبلية من نوع "بيع قناة السويس لقطر وتأجير الأهرامات.."

2- رموز الثورة
بعد حملة الاعتقالات التي طالت رموز العمل الثوري المنتميين للتيارات الإسلامية وبعض من رموز التيارات الليبرالية كان لزاما على التيار الثوري والإسلامي منه على وجه الخصوص تصدير وجوه ثورية جديدة تحمل الفكر الثوري وتتصدر وتنظر للثورة، ولا شك أن الدكتور "محمد البلتاجي" كان يقوم بهذا الدور منفردا ممثلا عن التيار الإسلامي حتى إنه كان يعتبر الرمز الأول المطلوب إسقاطه معنويا عبر الآلات الإعلامية للدولة العميقة، فظهور الرموز الثورية وإبرازها إعلاميا يغلق المساحات أمام المسترزقين من الثورة ومن دماء الشهداء التي أصبحت "تباع وتهان" في بعض الأحيان في النوافذ الإعلامية المختلفة.

3- مؤسسات دعم اتخاذ القرار
المؤسسات الصغيرة أصبحت لا يمكن أن تستغني عن الاستشاريين في المشاريع الصغيرة لاستشارتهم في المشاكل البسيطة وأخذ رأيهم في الخطط المستقبلية للمؤسسة، فما العمل إذا كانت مؤسسة وجماعة بثقل الإخوان المسلمين الذين جلسوا على كرسي الرئاسة في يوم من الأيام في دولة بحجم مصر؟
 

ومن الجدير ذكره أنه لم يكن يوجد مراكز بحثية تابعه بالشكل المباشر أو غير المباشر طيلة العقود الماضية، والمعروف عنها كثرة العدد والانتشار الواسع بمصر، لايوجد لديها أساليب توجيه وقياس الرأي العام، كما أن مثل تلك المراكز لا تحتاج للأموال الطائلة أو البنايات العالية، لا نخفي أن مجموعة من قوى الثورة تنشيء وتبتكر كل فترة اسم جديد لمبادرات جديدة بنفس الأشخاص تقريبا، فتارة يظهر المجلس الثوري والبرلمان المصري وتحالف دعم الشرعيه.. إلى آخره.
 

الثورة المضادة كانت تدرك جيدا استخدام هذه الأداة وماهيتها فلجأ النظام العسكري عند ترشيح أحمد شفيق للرئاسة للتعاقد مع شركة علاقات عامة، وقامت الشركة بدراسة المجتمع المصري وخصائصه فكشفت أن المصريين يخافون دائما من المستقبل وهو ما أوصت المجلس العسكري في نشر الإشاعات المستقبلية من نوع "بيع قناة السويس لقطر وتأجير الأهرامات.." وخلافه من تلك الإشاعات التي لاتخيل على عاقل.

وغياب مراكز العلاقات الدولية وإبراز رموز مفوضة باسم الثورة في الحراك الخارجي يؤثر بالسلب على المعارضين لتعددهم، كما أن غياب المكاتب السياسية الرسمية تترك المساحه لسياسيبن يلعبون بمشاعر الناس عن طريق تسويق أوهام لا أساس لها، كإشاعة موت السيسي وانشقاقات الجيش وخلافه.

والمتابع للإعلام المعارض للانقلاب العسكري يجد أنه تقريبا يحدث نفسه ومحبيه والقطاع الرافض للانقلاب العسكري فقط

4- الإعلام
سلاح القرن الواحد والعشرين أصبح لا يختلف كثيرا عن البندقية، ولم تكن مقولة وزير الدعاية السياسية لهتلر حول الإعلام مقولة عابرة لوقتها فقط بل إن هذه المقولة تحققت أمامنا، إذ إن الإعلام أصبح السلاح الأمامي بل هو الأهم والأبرز لأي مركز قوي، وهو السلاح اللذي فرش ومهد الطريق للعسكر عبر ماكينة ضخمة دفع فيها المليارات لتغييب وعي الشعب، وعلى عكس المنطق فمن الطبيعي وجود لسان متحدث بلغة غير العربية للشعوب الغربية والأمريكية وهو ما لم ينظر إليه أحد من الأطراف الثورية.
 

والمتابع للإعلام المعارض للانقلاب العسكري يجد أنه تقريبا يحدث نفسه ومحبيه والقطاع الرافض للانقلاب العسكري فقط، كما أن غياب متحدثيين رسميين ناطقيين بغير اللغة العربية للتحدث للشعوب الغربية والأمريكية ترك المساحة فارغة يحاول الجمهور الرافض للانقلاب في الجاليات المختلفة ملء هذا الفراغ. وموقف فجر السعيد التي أفسدت إحدى زيارات السيسي بألمانيا لم يكن هينا عليه وعلى نظامه المفضوح.
 

مالا يقوم الواجب إلا به فهو واجب.. وما تطلبه الثورة من أدوات فهو أيضا واجب. وفي رأيي، إن تلك الأدوات غير موجوده ويمكن إيجادها بسهولة والمعارضين للانقلاب يوجد في صفوفهم من الكفاءات الكثر. ومن يملك تلك الأدوات بشكلها القوي سيقوم بالتغيير، وهو دور بسيط يمكن للمهاجريين القيام به وذلك سيعبر عن حراك داخلي يضرب في أركان الدولة العسكرية ويفضح هذا النظام الغاشم الذي عانى منه الشعب المصري الأمرّين.



حول هذه القصة

قال مغردون إن تركيا ستتخلص من “دكتاتورها” وحكم الإخوان “انتهى وذهب بغير رجعة”، ومن “يقف ضد سيادة وإرادة الشعب المصري ستكون نهايته بهذه الطريقة”.

أثارت تصفية قوات الأمن المصرية القياديين بجماعة الإخوان المسلمين محمد كمال وياسر شحاتة ردود فعل غاضبة داخل الجماعة، التي قرأت فيه رسائل داخلية وخارجية، مؤكدة أنها ستواصل الثورة على الانقلاب.

حسب متابعين تحدثوا للجزيرة نت، فإن السلطة بمصر لم تدخر منذ الانقلاب العسكري جهدا في تعديل المناهج بكل المراحل التعليمية بما يتناسب مع مخططها لإعادة كتابة التاريخ وفق رؤيتها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة