أمينة المفتي: حكاية جاسوسة عربية

كتاب هذا الأسبوع لا يتمتع بشهرة كبيرة، لكنه غريب صراحة، وما زلت تحت تأثيره حتى الآن، رغم مضي أزيد من ست سنوات على مطالعتي له أول مرة، فأحداثه وتفاصيله أغرب من الخيال، رغم أنها حقيقية (للأسف!)
 

كتابنا لهذا اليوم هو "أمينة المفتي أشهر جاسوسة عربية للموساد" للكاتب فريد الفالوجي، صدر لأول مرة عام 2002 عن مكتبة مدبولي في مصر، ويقدم سردا حقيقيا وموثقا جمع فيه الكاتب بين تفاصيل من ملفات المخابرات المصرية والفلسطينية، وأجزاء من مذكرات هذه الأنثى الفريدة التي أقف حتى الآن حائرا أمام خبايا نفسيتها وشخصيتها المركبة.
 

هذا الكتاب خطير جدا، ويكشف عن جزء مهم من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما أنه يقدم لكل مهتم بعلم النفس أو حتى كاتب يبحث عن شخصيات مركبة في كتاباته، يقدم شخصية غريبة وعجيبة ومتناقضة

أمينة المفتي حسناء أردنية من أصول شركسية، ولدت عام 1939 بضواحي عمان، ونشأت مدللة وسط عائلة ميسورة، وكانت أصغر إخوتها.
 

عاشت أمينة أول قصة حب في حياتها مع شاب فلسطيني الأصل يدعى بسام، لكنه تخلى عنها بسبب حدة طباعها، فتعرضت لصدمة أثرت على تحصيلها الدراسي، وبالفعل لم تحصل أمينة على مجموع جيد في الثانوية العامة بالأردن، فقرر والداها إرسالها إلى النمسا لمتابعة دراستها، وهكذا هاجرت إلى فيينا لدراسة علم النفس الطبي في جامعتها.
 

يصف الكاتب أمينة بالقول إنها كانت حالة فريدة، فهي حسناء فاتنة، جمعت بين الملامح الجميلة والقوام والجسد المغري، كل هذا مع ذكاء حاد ورغبة عارمة في التحرر من قيود العائلة المحافظة، وهذا ما تأتى لها بعد اغترابها في فيينا، فقد غرقت في بحر التفسخ والإحلال والعلاقات الشاذة، وحصلت على درجة الباكالوريوس في علم النفس الطبي.
 

تعود إلى الأردن ثم تغادرها مرة أخرى إلى فيينا عام 1961، للحصول على الدكتوراه في نفس التخصص، وهناك تنقلب حياتها رأسا على عقب.
 

تقع أمينة في حب طيار نمساوي يهودي، هو شقيق صديقتها، وقد ساعدها على الحصول على شهادة دكتوراه مزورة من جامعة فيينا، وهنا سنتعرف على بعض جوانب شخصية أمينة، فحدة طباعها تلتقي مع إطلاقها لفيضان من المشاعر المتدفقة، فهي لا تعترف بالحب إلا إذا كان قويا، عاتيا، جبارا، لذلك فقد وافقت بلا تردد على عرض موشي بيراد، حبيبها النمساوي، الذي اشترط عليها التخلي عن الإسلام واعتناق اليهودية إن هي أرادت الزواج منه!
 

وبالفعل، تتزوج أمينة (التي غيرت اسمها إلى آني) من حبيبها موشي في معبد شيمودت اليهودي في فيينا، ويسافران معا للاستقرار في الأراضي المحتلة بإسرائيل، خوفا على حياتها من ملاحقة أفراد عائلتها، ممن سيعتبرون أنها لطخت سمعتهم ومست بكرامتهم وشرفهم.
 

لا بد لنا هنا من التوقف قليلا عند الظرفية التاريخية التي واكبت قصة أمينة (أو آني)، فقد تزامن مقدمها مع زوجها إلى اسرائيل مع فترة ما بين نكسة يونيو 1967 و حرب أكتوبر 1973، وهي فترة شهدت بزوغ نجم منظمة التحرير الفلسطينية كبديل على فشل الأنظمة العربية في مواجهة إسرائيل، فأنشأت المنظمة قواعدها في لبنان بعد طردها من الأردن إثر أحداث سبتمبر الأسود المعروفة، ودخلت في حرب استنزاف عسكرية مع إسرائيل بين جنوب لبنان وشمال الأراضي المحتلة، وحرب مخابراتية (لم أكن أعلم أنها كانت على مستوى عال من الاحترافية والندية آنذاك) تجاوزت الحدود ودارت رحاها في دول أوروبا.
 

بعد مقدم آني وزوجها إلى الأراضي المحتلة عام 1972، سينضم موشي إلى الجيش الإسرائيلي كطيار في سلاح الجو، لكنه سرعان ما سيفقد مطلع عام 1973، بعدما تمكنت المدفعية المضادة للطائرات التابعة للجيش العربي السوري من إسقاط مقاتلته!
 

يجن جنون أمينة، التي فقدت حبها الجنوني في لمح البصر، فتقرر الانتقام وتعمل مع الموساد الإسرائيلي الذي جندها لحسابه بسهولة تامة، فتسافر إلى لبنان في هيئة طبيبة عربية ماهرة تساهم في إعادة تأهيل الجرحى من المقاتلين والمدنيين ضحايا المعارك المستمرة مع العدو الإسرائيلي، وتتمكن بدهائها وأنوثتها وفتنتها الطاغية من التغلغل داخل المخيمات والوصول حتى إلى مكتب ياسر عرفات نفسه! بل وحصلت منه على توقيع خطي يسمح لها بالتجول في المواقع العسكرية والمخيمات بكل حرية!
 

وهكذا تسببت أمينة بخياناتها في إحباط الكثير من عمليات المقاومة، وتوجيه الجيش الإسرائيلي لقصف الكثير من المواقع المدنية والعسكرية، ويصف الكاتب هنا اعتمادا على مذكراتها شعورها الغريب بالنشوة والسعادة وهي ترى من بعيد طائرات العدو تدك المواقع وتسمع صرخات النساء والأطفال، معتبرة أن هذا أفضل انتقام لزوجها المفقود!
 

لكن، هل سيتمكن الفلسطينيون من الإيقاع بها؟ وإن تم ذلك، من سيكون صاحب الفضل في ذلك؟
وماذا سيحدث بعد ذلك؟ وما هو مصير أمينة أو آني موشي بيراد؟
أترك لكم مهة اكتشاف ذلك بأنفسكم!
 

أنصحكم بقراءة هذا الكتاب حتى لو لم تكن أجواء الجاسوسية تستهويكم، فأنتم هنا أمام تجربة نفسية إنسانية ربما لم تطالعوا مثيلا لها من قبل

هذا الكتاب خطير جدا، ويكشف عن جزء مهم من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي لم أكن أعرف عنه شيئا صراحة، كما أنه يقدم لكل مهتم بعلم النفس أو حتى كاتب يبحث عن شخصيات مركبة في كتاباته، يقدم شخصية غريبة وعجيبة ومتناقضة تثبت مرة أخرى أن النفس البشرية ستظل دائما وأبدا عصية على الفهم، ولولا بحثي حول الموضوع بشكل أكثر تفصيلا لاعتبرت أن ما ورد في هذا الكتاب خيالي، مع أنه واقعي مئة بالمئة!
 

أنصحكم بقراءة هذا الكتاب حتى لو لم تكن أجواء الجاسوسية تستهويكم، فأنتم هنا أمام تجربة نفسية إنسانية ربما لم تطالعوا مثيلا لها من قبل، كما أنكم ستتعرفون على كم كبير من الأحداث الواقعية والشخصيات التي لا يعرف عنها جيلنا شيئا، لعل أبرزها في نظري شخصية "الأمير الأحمر".
 

من هو هذا الأمير الأحمر؟
طالعوا صفحات هذا الكتاب المختلف لتعرفوا من هو!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز تقريرا عن انسحاب بعض الدول الأفريقية من المحكمة الجنائية الدولية، واحتمال اتساع الانسحابات، والتركيز على استهداف القادة الأفارقة فيما يبدو، وتأثير الانسحابات على وضع المحكمة.

الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني هو سادس أمراء قطر وأحد بناة نهضتها، وهو الذي أعلن استقلالها وأسس لبنيتها الاقتصادية والتعليمية، حيث تولى الحكم خلال الفترة بين عامي 1972 و1995.

الأكثر قراءة