إعجاز علمي أم قرمطية وتحريف؟

"لو ثبت أن قولاً بكروية الأرض سبق قول القرآن لتركت الإسلام".. قالها أحد الشباب الذين أشربوا خرافة ما يسمّى الإعجاز العلمي في القرآن، والذي لا يمثل بقوله هذا حالة استثنائية عن غيره، فإن هذه الحالة عامة مترسخة في الوعي الجمعي لدى شباب الأمة، ترسخت على مدار سنين عديدة من التلقين المدرسي والجامعي الذي يكاد أن يكون لسان حاله: "لا إعجاز في الكتاب إلّا الإعجاز العلمي وغيره هباء" ناهيك عن محاضرات زغلول النجار والكيالي وعدنان إبراهيم وغيرهم، التي ساعدت على توطين هذه الحالة في عقول الشباب، بحيث أصبح التشكيك فيها أمراً مرفوضاً، ربما يصل إلى الكفر والارتداد عن الدين عند بعضهم.
 

في القرن السابع عشر، ومع ظهور النّبتة الأولى للنّظريات العلمية، والتي تشققت تربة الكنيسة وسطوتها بظهورها، والتي ظلت تسقى بأبحاث العلماء ونظرياتهم الجديدة إلى أن أصبحت شجرة سامقة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مضحية تلك الشجرة إلهاً يعبد من دون الله، فانتشرت موجات الإلحاد والكفر بالديانات، وجعل العلم التجريبي هو المصدر الأبستمولجي الوحيد متجسداً في المدرسة الفلسفية (الوضعية المنطقية) فما أثبت بالتجريب كان حقاً، وما كان بغيره فهو ظنون وتخرصات وأوهام.. وأمام هذه الحالة (النّزعة العلموية) العابرة للقارات، والتي جاء يحمل لواءها العلماءُ من كل حدبٍ وصوب، ولئن النّاس أصبحوا لا يؤمنون إلا بلغة واحدة هي لغة العلم، كان لابد من مسارٍ تلفيقي انهزامي يجاري تلك السطوة العلمية فكان (الإعجاز العلمي) ليخبر العالم أن قرآننا قد حوى ما اكتشفتموه وكان له قصب السبق فيما علمتموه، فلا تعارض بين نظرياتكم والقرآن، بل إن القرآن جاء بهذا قبل أربعة عشر قرناً من الزمان.
 

لا وجود لإعجاز يدعى إعجازاً علميا، وإنما الحاصل أن تتوافق حقيقة علمية لا تتبدل ولا تتغير مع نصٍ قرآني قطعي الدلالة، تكون من دلالات صدق القرآن.

إن المتأمل بهذا "الإعجاز" علم أنّه -في أغلبه- اتجاه قرمطي حديث، وتحريفٌ لمعاني الآي الكريم، فإنّه قد جيء بوضعٍ غير وضع العرب والشرع، وجردت الآيات من سياقاتها، وعُدل إلى التأويل دون قرينة، بل نُزل بالنّص إلى منزلة الظاهر ليؤول، واستبيحت أساليب العرب البلاغية، ونزع من الآيات إعجازها الحقيقي البياني الذي تحدى الله به العرب، ونبذت أصول التفسير -المنطق العاصم لعقل المفسر- وراء الظهور، وما تركت حقيقة ونظرية علمية بل وفرضية في مرحلة التنبؤ إلا وجعلوا لها في القرآن أصلاً، فكُذب على الله بجهلٍ، واستبيح القرآن للإستهزاء من قبل الملاحدة والزنادقة، كل هذا وذاك من أجل إثبات صحة القرآن للمسلمين ولدعوة الكفار إلى الإسلام بما يعقلون، وحقيقة الأمر خضوع أمام سطوة العلم التجريبي الحديث من حيث لا يدرون.
 

على أنّ مصطلح (الإعجاز العلمي) خطأ في حد لفظه ومعناه، فأين التحدي في النظريات العلمية الحالية؟ وأين عجز الكفار عن الإتيان بها وهم قد اكتشفوها؟ وأين وجه أنّها خارقةٌ للعادة؟ وأين ضابط أن العلم فقط هو العلم التجريبي؟ ألا تسمى علوم النفس والاجتماع والسياسة علوماً؟ وأخيراً نقول، إن التمسك بهذا "الإعجاز" المزعوم وجعله هو المدخل الوحيد لدعوة الكفار إلى الإسلام، هو بمنزلة الدعوة إلى الحقّ بالباطل والكذب، وإلّا فإن أغلب من آمن بالإسلام، آمن لما وجد في هذا الدين من موافقة للفطرة ولما فيه من إجاباتٍ منطقية على الأسئلة الوجودية الكبرى، ولما يقدمه من عقيدة ونظام في هذه الحياة.

ولو كان زعمكم صحيحاً بأن ذلك هو الطريق الوحيد لدعوة كفار عصرنا إلى الإسلام، فلماذا لم يتضمن القرآن نصوصاً صريحة عن النظريات العلمية الحديثة بدلا من الإشارات التي تستخرجونها بالتحريف؟ لماذا لم يفهم الصحابة والتابعين ما فهمتموه؟ إن قلتم أن ذلك دون المستوى العلمي للصحابة -وحاشا الصحابة مثل هذا- وهم إن أخبروا بمثل هذه النظريات لن يفهموها، يقال أولم يؤمنوا الصحابة بأكبر من هذا كالإسراء والمعراج وغيرها من أمور الغيب التي كان لهم فيها التسليم، ويبقى ذلك الأمر غيباً إلى أن يتجلى في عصرنا؟

والحقّ أن لا وجود لإعجاز يدعى إعجازاً علميّا، وإنّما الحاصل أن تتوافق حقيقة علمية لا تتبدل ولا تتغير مع نصٍ قرآني قطعي الدلالة، تكون من دلالات صدق القرآن، فحقائق الكون آيات الله المنظورة، وآيات القرآن آيات الله المسطورة، ولا تعارض بينهما فالحقّ يخرج من مشكاةٍ واحدة، أمّا ما دون ذلك فهو تحريف يسأل عنه المحرفون يوم يلقون الله.



حول هذه القصة

يرصد غازي التوبة بعض الأخطاء التي وقع فيها باحثو الإعجاز العلمي، مبينا أنّ هذا التعامل الخاطئ حجب الأهداف الرئيسية التي جاءت الآيات من أجلها، ومنها البناء النفسي، البناء العقلي والتدليل على وحدانية الخالق، داعيا المسلمين للاستفادة من هذا الإعجاز في فهم القرآن الكريم.

اتهم كاتب مسيحي جهات كنسية وأمنية مصرية لم يسمها بأنها قامت بمنع نشر كتابه الذي يحمل عنوان “الإعجاز العلمي في الكتاب المقدس” بدعوى الحساسية الدينية لموضوع الكتاب. وأشاد صموئيل العشاي بموقف مفتي مصر الرافض لمصادرة الكتاب.

داعية إسلامي وأحد قيادات حزب التجمع اليمني للإصلاح. أسس جامعة الإيمان باليمن، والهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وانشغل بتأصيل الإعجاز العلمي في النصوص الشرعية.

أنهى باحثون متخصصون في العلوم الدقيقة الأحد بالعاصمة المغربية الرباط ندوتهم الدولية الثالثة عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، حيث عكفوا طوال يومين على استنباط الآيات والأحاديث التي تتضمن إشارات علمية توافق -حسب رأيهم- ما توصل إليه العلم الحديث.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة