نظرات في الفقر

blogs-الفقر
ليس دائماً تنتهي جميعُ القصص بنهاية سعيدة؛ وإن كان الأمر على عكس ذلك، فهذا لا يكون إلّا عند الحالمين وفي الدراما المثاليّة؛ أمّا الواقع فإنّه يقول غير ذلك، والمعطيات هي التي تقود إلى النتائج وتفرض نفسها عليها. فما دام الفقر في المجتمع؛ فسيبقى الخوف بجنوده فيه، ولن يكون أحدٌ قادر على الإنتاج أو الرضا أو الشعور بالطمأنينة، ولن يصل المجتمع إلى الاكتفاء فقط لمجرد أننا نهيم بالنهايات السعيدة.
 

ومهما حاولنا أن نفلسف الفقر فلن نستطيع أن نقنع الناس بأن يتعايشوا معه، تراثُنا يردد "المرتاح من لا يملك!"، و"صاحب المال متعذّب!" والمفارقة وهو يقولها تمتلئُ عيناه حسداً على صاحب المال! ومن المتديِّنين مَن غذّى في الناس حبَّ الفقر، ودائماً يدعو لهم بأن يكون عيشهم كفافاً، ونحن من ورائه "آمين" وكثيراً ما تراه يحذِّر من الغنى حتى يقيهم معاصي المال، وقد نسي أنّه بذلك يزرع الحقد والحسد في نفوسهم وينفّرهم من الدين الّذي أصبح مرادفاً للقلة والتعب (عندهم) جرّاء ذلك الخطاب، وكأنّه لم يسمع قول علي كرّم الله وجهه: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته".
 

وبما أننا نتحدّث إلى العرب ومن خلال محتوى عربي؛ فلا بد أن تدرك الدول العربيّة بحكوماتها وأغنيائها وأصحاب القرار فيها دورها في محاربة الفقر، وتعي بأنّ دورها وجودي وعليها أن تخطط للقضاء عليه بخُطط خمسيّة وعشريّة بل ومئويّة، وإن شئت ابحث عن موانع التقدم فستجد الفقر أبو الموانع وكبيرها وهو يشكل تحدياً لأي نهضة أو تقدم؛ لأنّ عليك أن تجفف منابع الفساد والتطرف وتجد الموارد البديلة المدرة للدخل.
 

إنّ الفقر في بلادنا العربيّة ذكيٌ للغاية؛ فلا يحرم البعض من سد حاجته من طعام أو شراب، ولكنّه يؤخّره في التعليم والتوظيف والزواج ويحرمه العيش بأمان

إنّ مشكلة الفقر مشكلة سهلة التسرب إلى فئات الشعب المختلفة خاصة إذا كانت الدولة لا تخطط للقضاء عليها فإذا ما وصل هذا الخطر إلى التعليم مثلاً فسيُضرب المجتمع وتُهزُّ حصونه من الداخل؛ فالمؤسسة التعليمية فقيرة، والمعلم فقير، والطالب يعاني فما الّذي نتوقعه من المجتمع غير أن ينهك وينهدّ ويستسلم أمام هذا الواقع، فالمعلم سيحتاج للعمل خارج مهنته؛ ليأكل ويعتاش ويحقق الكفاف، والطالب لا ينتظم في دراسته حتى يؤمّن قوت أسرته، والدولة فقيرة ولا تستطيع أن تقدّم أكثر؛ فيصبح التعليم شكلاً هلاميّاً يستفيد منه أصحاب الفلوس والنفوذ فقط.
 

لم يعد للفقر اليوم في بلادنا العربيّة ذلك الشكل النمطي المعروف فقد أخذ في نواحي بلادنا صوراً أخرى؛ فقد تجد شخصاً يعيش في أرقى مدن بلده ولكنّك لا تستطيع إلا أن تعدّه من الفقراء فبيته بالأقساط، وسيارته بالأقساط، وهاتفه بالأقساط، وأثاثه بالأقساط، ومدارس أبنائه بالأقساط، وما أن يخرج من قسط حتى يدخل في آخر، وهكذا دواليك.
 

إنّ الفقر يا سادة يفقد الإنسان لذة الحياة، ويحرمه الشعور بالأمن والدفئ، ويولّد الخوف، ويهوي بصاحبه في الحرام. ولكن إذا أردنا أن تكون نهاياتنا سعيدة؛ فلا بد أن يكون هناك حلول استراتيجيّة فعالة لمواجهة الفقر والوقوق أمامه خاصة ونحن في بلادنا العربيّة نتطلع لنهضة شاملة فلا بد أن تبدأ هذه النهضة بمواجهة الفقر.
 

وإنّ أنجع حلٍ تأخذ به الدُّولُ ليس بفرض المزيد من الضرائب أو التوجه إلى صندوق النقد الدولي أو الاقتراض الخارجي، بل أن تفرض الزكاة على أغنيائها، وما أكثرهم! ومن ثم التفكير بأساليب جديدة في التشجيع على الصدقة من القادر وتصريفها في مكانها، فمثلاً: الإعلان عن قبول الصدقات في التعليم تارة، وفي الصحة تارة أخرى.. إلخ، وتحريك عجلة الاستثمار الذي يخدم الكل غير القائم على المصالح الشخصية. بعد هذه الإجراءات السريعة لا بد أن توضع الخُطط الخمسيّة والعشريّة.. إلخ في كافة محاور الدولة في الطاقة والتعليم والصحة والبِطالة ومن الأهم إلى المهم إلى الأقل فالأقل؛ حتى تستطيع أن تنهض بمجتمعها. 

إنّ الفقر في بلادنا العربيّة ذكيٌ للغاية؛ فلا يحرم البعض من سد حاجته من طعام أو شراب، ولكنّه يؤخّره في التعليم والتوظيف والزواج ويحرمه العيش بأمان، وفكرة مواجهة الفقر بشكلها الفردي والجماعي يجب أن يتعلمها المسؤول، والمعلم، وإمام المسجد، والعامل، والطالب.. إلخ؛ حتى تُصبح ثقافة لا أن نعلّم أبناءنا كيف يتعايشون معه!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة