- الصين وأمريكا وروسيا.. هل يدخل العالم عصر الأقطاب المتعددة؟
لم تعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة مجرد محطة في العلاقات المتوترة بين واشنطن وبكين، ولا مجرد جولة تفاوضية حول الرسوم الجمركية والتجارة والتكنولوجيا. فزيارة شي إلى واشنطن بين 23 و25 سبتمبر/أيلول 2026 تأتي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى النظام الدولي، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وفي ظل حروب وأزمات تمتد من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وتنافس متصاعد في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة وسلاسل الإمداد.
المفارقة الأبرز أن شي اختار واشنطن بدلا من نيويورك. ففي الوقت الذي يجتمع فيه قادة العالم في الأمم المتحدة، يجلس الرئيس الصيني مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض. وقد وصف الجانب الصيني الزيارة بأنها ذات أهمية تاريخية، وأن البحث سيتناول العلاقات الصينية الأمريكية وقضايا السلام والتنمية العالميين.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية انتقال حقيقي من نظام دولي أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب؟
إن مفهوم تعدد الأقطاب لا يعني بالضرورة ظهور ثلاثة أقطاب فقط. قد يكون العالم الجديد أكثر تعقيدا: الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب الهند والاتحاد الأوروبي وقوى إقليمية في الخليج وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية
ثلاث قوى وشبكة معقدة من المصالح
من الخطأ اختزال المشهد في صراع أمريكي-صيني فقط. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك شبكة واسعة من التحالفات وقوة عسكرية ومالية وتكنولوجية هائلة، فيما أصبحت الصين قوة صناعية وتجارية وتكنولوجية كبرى، بينما تحتفظ روسيا بمكانة إستراتيجية كبيرة بفضل قدراتها العسكرية والنووية وموارد الطاقة وموقعها الجغرافي وتأثيرها في ملفات أمنية عديدة.
لكن العلاقة بين هذه القوى الثلاث لا تشكل تحالفا ثلاثيا ولا مواجهة ثابتة. إنها شبكة معقدة من المنافسة والتعاون والتفاوض.
فالولايات المتحدة والصين تتنافسان في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والمعادن النادرة، وفي الوقت نفسه تحتاج كل منهما إلى الأخرى في التجارة والاستقرار الاقتصادي العالمي. وتظهر على جدول زيارة شي ملفات مثل التجارة والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى قضايا جيوسياسية مثل تايوان.
أما روسيا، فهي لا تستطيع أن تنافس الولايات المتحدة والصين اقتصاديا بالحجم نفسه، لكنها تملك أوراقا إستراتيجية مختلفة: السلاح النووي، والطاقة، والموقع الجغرافي، والقدرة على التأثير في ملفات أمنية وجيوسياسية من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا.
لذلك، فإن مفهوم تعدد الأقطاب لا يعني بالضرورة ظهور ثلاثة أقطاب فقط. قد يكون العالم الجديد أكثر تعقيدا: الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب الهند والاتحاد الأوروبي وقوى إقليمية في الخليج وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع تزايد أهمية التجمعات الاقتصادية والسياسية مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.
الاقتصاد والتكنولوجيا في قلب الصراع
والسؤال الاقتصادي لا يقل أهمية عن السؤال العسكري. فمن يملك الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والمعادن النادرة والأسواق وسلاسل الإمداد، يمتلك جزءا من القوة الدولية. وهذا ما يجعل التنافس الأمريكي-الصيني مختلفا عن الحرب الباردة التقليدية؛ فهو ليس سباقا عسكريا فقط، بل هو صراع على منظومة الإنتاج والتكنولوجيا والتمويل والتجارة والمعايير الدولية.
حتى الأمم المتحدة تجد نفسها أمام هذا التحول. فقد اجتمع نحو 130 رئيس دولة وحكومة في نيويورك هذا الأسبوع، بينما تواجه المنظمة أسئلة متزايدة حول قدرتها على التعامل مع الحروب والأزمات العالمية، إضافة إلى تحديات التمويل والانقسامات السياسية.
ومن هنا تصبح صورة شي في واشنطن أكثر دلالة: بينما تتحدث الأمم المتحدة عن التعددية، يجلس اثنان من أكبر مراكز القوة الاقتصادية في العالم للتفاوض مباشرة حول قضايا تتجاوز حدود بلديهما.
لكن ذلك لا يعني أن الأمم المتحدة فقدت دورها، ولا أن العالم انتقل بالفعل إلى نظام متعدد الأقطاب مكتمل المعالم. فالتحول ما زال في طور التشكل، والقوى الكبرى نفسها لم تتفق على قواعده.
قد لا يكون العالم متجها نحو قطب صيني بديل عن القطب الأمريكي، بل نحو عالم أكثر تشابكا، تتوزع فيه القوة بين مراكز متعددة، وتصبح فيه قدرة أي دولة على فرض قواعدها منفردة أكثر صعوبة
أي نظام دولي يتشكل؟
ربما يكون السؤال الحقيقي إذن ليس: من سينتصر، أمريكا أم الصين؟
بل: هل يستطيع العالم أن يبني نظاما دوليا لا تقوم قواعده على إرادة قوة واحدة، ولا يتحول في الوقت نفسه إلى ساحة صراع بين عدة قوى؟
إن نجاح التعددية القطبية لا يقاس بعدد الدول القوية فقط، بل بقدرة النظام الدولي على منع الحرب، وحماية سيادة الدول، وتنظيم التجارة، وإدارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتأمين الطاقة والغذاء، وإيجاد آليات أكثر توازنا لاتخاذ القرار الدولي.
وفي هذا المعنى، فإن لقاء شي وترمب في واشنطن، في اللحظة التي يجتمع فيها العالم في نيويورك، يقدم صورة مكثفة لعصر جديد: الأمم المتحدة تمثل فكرة التعددية، بينما تكشف مفاوضات القوى الكبرى عن ميزان القوة الذي سيحدد شكل هذه التعددية.
وقد لا يكون العالم متجها نحو قطب صيني بديل عن القطب الأمريكي، بل نحو عالم أكثر تشابكا، تتوزع فيه القوة بين مراكز متعددة، وتصبح فيه قدرة أي دولة على فرض قواعدها منفردة أكثر صعوبة.
إن القرن الحادي والعشرين لن يحسم فقط بمن يملك أكبر جيش، بل بمن يستطيع الجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتحالفات والدبلوماسية، وتحويل القوة إلى قواعد مقبولة دوليا.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية على شكل النظام الدولي المقبل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

