- كيف نعيد تأهيل المستشفيات العامة في حلب؟
يشتكي أهالي محافظة حلب من وضع المستشفيات الحكومية وعدم توافر البيئة المناسبة، بسبب تهالك البنية التحتية والضغط الكبير على الكوادر الطبية. وفي ظل الغلاء المتزايد، تصبح المستشفيات الخاصة رفاهية لا يستطيع غالبية الشعب تحمل تكاليفها. ويواجه المواطن مشكلات عدة في المستشفيات العامة بسبب نقص المعدات الأساسية، بالرغم من تقديم الكوادر الطبية كل ما في وسعها لتوفير العناية الكافية للمرضى.
وتعود هذه المشكلات إلى زمن النظام البائد، الذي خلف مستشفيات تصلح أن تكون "مسالخ"، على حد تعبير الأهالي، وليست أماكن لعلاج المرضى. فأبنية كانت تستخدم سابقا كأداة لترسيخ ثقافة الانصياع والذل، وشهدت الكثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان، تحتاج إلى تحولات جذرية لتتخلص من سمعتها السيئة وتوفر الخدمات الصحية اللازمة.
تفيد طبيبة مقيمة في قسم جراحة الأطفال في مستشفى حلب الجامعي بأن سوء تعقيم الأدوات يؤدي إلى إصابة الكثير من المرضى بإنتان العمل الجراحي
تجارب في مستشفى الرازي
رغم تسميته نسبة إلى أحد أشهر الأطباء العرب في التاريخ، يستحضر ذكر "مستشفى الرازي" تجارب أليمة في أذهان الشعب الحلبي. ورغم اختصاصه في مجال الحروق والكسور، يشتكي المواطنون من خدماته الطبية السيئة في هذه المجالات بشكل خاص. ويرجع ذلك إلى الضغط الكبير والجو المشحون في المستشفى، إضافة إلى نقص التجهيزات وقيام الأطباء المقيمين في سنواتهم الأولى بمداواة المرضى دون حضور طبيب مختص.
ويحكي محمد تفاصيل تجربته حين تعرضت ابنته لحروق شديدة في ساقيها وتوجه بها إلى المستشفى، فقال: "عندما طلبت كرسيا متحركا من موظف الاستقبال لم يلتفت إلي حتى، وعندما كررت طلبي أشار برأسه إلى غرفة فيها كرسي بلا عجلات. حملت ابنتي إلى المصعد الذي، بحسب قول العاملين هناك، "قد يعمل وقد لا يعمل"، لأجد ممرضة واحدة فقط في قسم الحروق".
وتروي قدرية كيف تسبب خطأ في تجبير ذراعها المكسورة في مستشفى الرازي في خضوعها لعملية لإعادة كسرها وعلاجها من جديد، مضيفة: "لم يكن المستشفى، وخصوصا الطوابق العلوية، مريحا، ولم يكن هناك اهتمام بالمرضى. قاموا بلف ذراعي بشكل خاطئ، ما جعلني أعاني منها لفترة طويلة".
ضغط كبير ونقص في التجهيزات
تفيد طبيبة مقيمة في قسم جراحة الأطفال في مستشفى حلب الجامعي بأن سوء تعقيم الأدوات يؤدي إلى إصابة الكثير من المرضى بإنتان العمل الجراحي. فنقص مستلزمات التعقيم وعدم اتباع بعض الأطباء تعليمات التعقيم اللازمة يتسببان في عرقلة عملية الشفاء لدى المرضى.
وتقول الطبيبة أيضا إن هناك نقصا دائما في الأدوية، وتضيف: "لم نحصل على دواء سيتامول منذ شهر. حتى اللوازم الأساسية، مثل خيوط العمليات، يوفرها أهل المريض".
أما في مستشفى "زاهي أزرق"، فتشتكي الكوادر الطبية من مشكلات عديدة، كسوء التعقيم، والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية. كما يشكل الازدحام الشديد والفوضى اليومية التي يسببها المرضى والمرافقون صعوبات كبيرة للموظفين.
وتقول طبيبة مقيمة تعمل في المستشفى: "هناك نقص شديد في التجهيزات، نضطر إلى استخدام أجهزة مشتركة بين عدة أقسام، ما يسبب ضغطا ويعطل عملنا. على سبيل المثال، نقوم بنقل جهاز صادم القلب من قسم العناية المشددة عندما يتوقف قلب المريض في الإسعاف، ما يشكل خطرا مباشرا على حياة المرضى".
تكوين بيئة آمنة وهادئة للمرضى يتوقف، في المرتبة الأولى، على تفهم الأهالي للظروف الحالية، وتقديرهم لجهود الأطباء المكثفة، وحرصهم على تجنب المشاحنات داخل المستشفيات
أعمال الصيانة والتوسيع
وأفاد مدير صحة حلب، الدكتور محمد الحاج مصطفى، خلال لقاء له في برنامج "صوت حلب"، بأنه يتم العمل على تأهيل وتحديث المستشفيات العامة في الوقت الراهن، بعد أن كانت في وضع متهالك سابقا.
وأضاف: "مستشفى الرازي يخضع لصيانة في قسم العناية المشددة وقسم العمليات، ويوجد استحداث لقسم إسعاف جديد، ولدينا مشاريع جديدة ستكون في محافظة حلب". كما أكد أن دائرة المستشفيات تقوم بجولات تفتيشية دورية في المستشفيات العامة والخاصة والعيادات والمراكز الصحية.
أهمية تعاون الأفراد
واقع القطاع الصحي هو جزء من الدمار الذي ورثه نظام الأسد للبلاد. وتستمر أعمال تأهيل المستشفيات الحكومية بهدف تحسين الوضع الخدمي تدريجيا، ولكن الحرص على زيادة التنظيم الإداري ونشر الوعي بين المواطنين لا يقل أهمية عن أعمال الصيانة والتوسيع.
فتكوين بيئة آمنة وهادئة للمرضى يتوقف، في المرتبة الأولى، على تفهم الأهالي للظروف الحالية، وتقديرهم لجهود الأطباء المكثفة، وحرصهم على تجنب المشاحنات داخل المستشفيات.
إن توفير الخدمات الصحية الأساسية لجميع أفراد المجتمع السوري بشكل عادل هو أولوية إنسانية لا تحتمل التأجيل. وإذا قام كل فرد بدوره على أكمل وجه، فستصبح أزمة المستشفيات العامة جزءا من الماضي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

