لماذا نخاف التغيير ونرفض من يختلف معنا؟

India happy independence day celebration card with group of people
الكاتب: التغييرات الكبرى وليس فقط التغيير الحضاري لا بد أن تتأثر بها المجتمعات بكل فئاتها (مواقع التواصل)
  • التغيير وقبول الآخر في حياتنا

التغيير هو طبيعة الحياة الإنسانية، وإحدى سننها الوجودية، وهو أحد قوانين هذا الكون؛ فدوام الحال من المحال، وكلنا نتفق على هذا.

فمنذ القدم، والإنسان يسعى إلى الأفضل، وهذا ما تجلى في تاريخ الحضارات القديمة، مثل الفينيقية والفرعونية والسومرية والبابلية، وغيرها من حضارات العالم، مثل حضارات الإنكا والمايا والصين والهند. فكل من هذه الحضارات تركت اختراعات واكتشافات أثرت في مجرى حياة البشرية، وغيرت فيه شيئا ما، مثل اختراع الكتابة.

لم تتوقف عجلة التغيير، فمع تقدم الزمن ازدادت وتيرة التغيير ومجالاته وتأثيراته، ونرى هذا واضحا بما تركته الحضارة العربية الإسلامية من تغييرات في كافة مجالات الحياة البشرية، أثرت كل ما يمكن إثراؤه في ذلك الزمان.

أعتقد أن هذه الحضارات بنت نفسها وخلدت ذكرها وحضورها في التاريخ باحترام التغيير وعدم التعامل معه على أنه يخص فئة دون الأخرى. فالتغييرات الكبرى، وليس فقط التغيير الحضاري، لا بد أن تتأثر بها المجتمعات بكل فئاتها، وإلا لن نستطيع اعتبارها حقيقية ومؤثرة. ولعل أهم مثال على هذه التغييرات الجذرية تلك التي حملها الأنبياء في رسالاتهم.

أصبح التغيير على مستوى المجتمع، وحتى على المستوى الفردي، كتغيير عمل بآخر أو منزل بآخر، أمرا غير محمود وغير مرغوب لدى كثيرين، وينظر الكثيرون إليه بعين الحذر، وبأحكام مسبقة جاهزة أحيانا

لكنك اليوم، إذا ما تحدثت مع كثيرين، فستجد أنهم يتوجسون من التغيير، خصوصا تلك التغييرات الكبرى السياسية والاجتماعية وما يترافق معها من آثار قد تؤثر في حياة الأفراد والجماعات على حد سواء.

إن هذا التوجس والترقب أحيانا، خاصة مع كل تغيير كبير في السياسة، مثل التغييرات التي عاشها المواطن العربي بعد عام 2011 في عدة دول على سبيل المثال، له أسبابه، خاصة في المنطقة العربية.

إعلان

وأحد أهم هذه الأسباب أن الإنسان العربي اصطدم تاريخيا، مع كل تغيير حدث في المنطقة، بمتغيرات أثرت في حياته بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ومر بتجارب مريرة بسبب هذه التغيرات في أغلب الأحيان، جعلت حياته الصعبة والمعقدة أكثر صعوبة وأكثر تعقيدا، والأمثلة من تاريخ المنطقة والعالم كثيرة جدا منذ الأزل.

ومع الوقت، أصبح التغيير على مستوى المجتمع، وحتى على المستوى الفردي، كتغيير عمل بآخر أو منزل بآخر، أمرا غير محمود وغير مرغوب لدى كثيرين، وينظر الكثيرون إليه بعين الحذر، وبأحكام مسبقة جاهزة أحيانا.

أعتقد أننا جميعا نؤمن بأن لا أحد في هذا الكون يستطيع إيقاف التغيير في جميع مجالات الحياة، وأعتقد أيضا أن التغيير الذي يعيشه أي إنسان، خاصة إذا كان تغييرا متسارعا أو انقلابا كليا في البنية السياسية أو المجتمعية، سينتج عنه إجراءات وأمور غير معتادة، وهذا ما يولد توجسا وخوفا أحيانا؛ لأن المجتمع كله يشعر بأنه يسير نحو مجهول.

وقد يفرز التغيير الكبير، إلى جانب الإيجابيات، سلبيات كثيرة، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ورأينا هذا الأمر في بقاع كثيرة من العالم. وهنا يمكنني استحضار نماذج كثيرة، ولكن أهمها في فترات مختلفة من التاريخ، وخاصة في الفترة الأخيرة، هو النموذج العربي بشكل عام.

أرى أن المشكلة ليست في التغيير، بل في شعوب لم تعش في حياتها الحديثة، في الأغلب، إلا تغييرا شكليا أو غير حقيقي، أو من سيئ إلى أسوأ

فقد كان للتواصل الاجتماعي ومواقعه آثار سلبية في خلق فضاءات واسعة جدا، وجعل هذا الأمر متسعا لآراء كثيرة، وهذا الأمر ليس سيئا بحد ذاته، لكن السيئ أن هذه الوسائل أصبحت تستخدم استخدامات ترفع من حالة الغليان في الشارع. ففي كثير من المنشورات الخاصة بأي شأن عربي على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى تلك الشؤون البعيدة كل البعد عن السياسة والاقتصاد، وأقصد هنا الفنون والمحتوى الترفيهي والاجتماعي، وهي كثيرة أحيانا، نجد تعليقات مسيئة تخرج عن حدود الأدب واللباقة، وكأن الاختلاف في الرأي أمر غير وارد على الإطلاق. والطامة الكبرى عندما يتحول مجرد نقاش على وسائل التواصل إلى سيف تخوين يشرعه أبناء الهوية الواحدة والتاريخ المشترك في وجوه بعضهم!

ومن هنا، أرى أن المشكلة ليست في التغيير، بل في شعوب لم تعش في حياتها الحديثة، في الأغلب، إلا تغييرا شكليا أو غير حقيقي، أو من سيئ إلى أسوأ. والمشكلة الكبرى أننا لم نتعلم كيف نحترم آراء غيرنا، وأكبر مثال على انعدام هذه الثقافة تحول وسائل التواصل إلى ساحة مفتوحة للشتائم والسباب أحيانا، عندما يختلف المغردون والمعلقون فيما بينهم على أمور ليست من المسلمات وتحتمل أكثر من رأي.

وهنا تحضرني عبارة كتبها الكاتب الراحل حسن سامي يوسف في روايته "عتبة الألم": "قد أكون على خطأ، ولكن هذا لا يعني أنك على صواب"!

وهنا علينا أن نطرح تساؤلات عميقة، ولعل أبرزها: هل يبدأ التغيير الحقيقي بتصالح الإنسان مع ذاته وتقبله للآخر على اختلافه، واحترامه لآراء الآخرين إن كانت مخالفة له، دون أن يصبح الاختلاف سببا للموت والدمار؟

إعلان

وهل على الإنسان، مع حدوث أي تغيير في حياته، أن يخاف ويتوجس فقط؟ بل إن عليه أن يبدأ بتغيير نفسه لتتناسب مع المتغيرات الجديدة، خاصة أن التأقلم والتكيف صفة إنسانية موجودة في الإنسان، خلقها الله في النفس الإنسانية لتستطيع تذليل الصعاب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان