- بين طيات كراسات المحاولات.. حلم الطفولة
في قائمة الأدوات المدرسية، ثمة كراريس متنوعة مرتبطة بالأدوار التي ستقوم بها طيلة الموسم الدراسي، فبعضها يجمع المعلومات في أسطر تحشر فيها المعاني، وتفتقد الحياة والشغف، وأخرى يمتحن فيها المتعلم ما حصله من معارف. وما بينهما كراسات تهملها عبارات الشكر، وتتنازل عنها كلمات التشجيع، بل تغيب عنها نظرات الأستاذ، إذ يخوض الطفل فيه نقاشا محتدما بين معارفه وأحلامه، ومهاراته وحضوره.
من بين مجموع الأدوات المدرسية يأتي "كراس المحاولات" في آخر الاهتمامات التنظيمية والاستكشافية التي تعتبر أهم الوسائل في متابعة الطفل ضمن مساره التعليمي، حيث تنتهي مهمته عند النتائج التي يحصل عليها المتعلم وهو يخط اقتراحاته لحل مسألة معقدة، أو إعراب جملة تبدو مفيدة، أو العمل على إنهاء عقوبة تكرار كتابة فقرة ما. لكن ماذا لو كانت كراسات المحاولات تخفي بين طيات أوراقها غير المنظمة، والمملوءة بألوان الحبر المتناثرة، والعديد من التجارب التي تعنون بالفشل، صورة متوارية عنا، نحن الذين نطالب الطفل بأن ينفذ أوامرنا، بينما في زوايا أخرى يرسم أحلامه المستقبلية؟
إن كراسات المحاولات ليست شيئا متعلقا بمدى استجابة الطفل لتقييم معارفه، ولا بقدرته التحصيلية على تحليل معطيات مسائل رياضية، بل تعد مساحة مثالية لفهم عالم مكتظ بالشغف والإثارة، ومهتم بأدنى تفاصيل الحضور الساذجة. كراسات تعنونها المعارف، لكنها تشكل صورة فنية إبداعية لذات شديدة الحساسية، تأسرها الألوان المتعددة، وترتمي في مشاعر المنافسة والأنانية، بين طيات قصة كراسات المحاولات.
يكمن دور كراسات المحاولات في تجاوز حل المسائل الرياضية واللغوية، لتسهم في تعزيز إدراك الطفل مسؤوليته الذاتية وقيمه الإنسانية
أوراق هامشية
في نظر بعض الجماعة التربوية وغيرها، تبدو كراسات المحاولات مجموعة أوراق لا قيمة لها، إذ تمثل مجموع الأخطاء المتداولة من قِبَل الطفل، حيث لا قيمة لما يخطه من تعابير وحلول مسائل رياضية ولغوية. وهذا الحكم مبني على ميزان الصحة والخطأ، ومدى استجابة المتعلم، مثلا، لتلك المعارف التي تنهال عليه تباعا.
لكن ماذا لو اعتبرت كراسات المحاولات سجلا حافلا بقصص الطفولة التي توارت خلف تعابير الآخر القاسية والمخيفة، والتي تنتظر دوما ألا يطلب منها واجب منزلي، أو تكرار مسألة ما؟ فما بين أوراقه سطور تكفي لملئها بأحرف عن اجتهاد الطفل وسعيه لنيل رضا معلمه، فليست كل محاولاته عبثية، فهي تنطلق من ذات تريد اهتماما حقيقيا، واشتغالا بما يتعزز به نماؤها النفسي وحضورها الإبداعي.
ولعل كراسات المحاولات تحتوي على مسودات هامشية وخربشات لا علاقة لها بالتوزيع السنوي لبناء التعلمات، إنها تحتل أحيانا مكان الكراسات التي يستأنس بها الطفل في المنزل.
من الغريب أن تكتسي كراسات المحاولات بغلاف لونه أسود، فما لم نكتشفه منها يستحق أن يعنون مستقبلا للأجيال، إذ لا يمكن اعتبارها شيئا سيعاد تدويره مع النفايات، بل ميدانا يرتقي به ليكون صفحة شبل في سلسلة بناء أجيال نهضة المستقبل. فما يميز طابعها هو حرية الطفل التي تتخذ شكلا مغايرا للتعلمات السنوية، ليعبر عن رأيه وإبداعه، فيكفي أن تسأله عن لغته وهويته ووطنه، حتى يسلك نحو أحلام تتأسس بداية مع إيماننا بقدرة الطفل على ابتكار خصوصيته.
فوضى ناعمة
حينما نتحدث عن الفوضى، فهذا لا يعني بالضرورة نفي النظام عن العالم، إذ ما نعرفه فوضى هو جمالية فنية عند الطفل حين يبعثر أشياءه في المكان، ولعل كراسات المحاولات تتخذ التوصيف ذاته بمجرد أن يلبس غلافا أسود، حيث يختل ميزان الكتابة والتنظيم، لتكون الفوضى عنوانا لتلك الأسطر المتواضعة.
يكمن دور كراسات المحاولات في تحديد النتائج النهائية لمسائل معقدة، فهي ليست متعلقة فقط بحل إشكالات رياضية ولغوية، بل تصاغ بواسطتها، وضمن مراحل تعليمية متعاقبة، أسس التنظيم التربوي والتعليمي الذي يجب أن يشمل الطفل، لتتعزز آليات الإدراك والمسؤولية الذاتية والقيم الإنسانية.
من الملاحظات المهمة التي تندرج ضمن إطار وظيفي لكراسات المحاولات أنها تنشأ بموجب العلاقة التعليمية بين المتعلم والمعلم، مكتسبة صورة نمطية كونها فوضى معرفية ومهاراتية تغزو الأوراق. غير أن تتبع دوافع استغلالها ضمن برامج تطويرية تستهدف بنية المتعلم المهاراتية والفنية، إلى جانب تعزيز حضوره اللغوي، يكشف أنه ليس كل ما يكتبه الطفل في كراسات المحاولات يخضع لقانون الصواب والخطأ، إذ يمكن أن يتجاوزه ليشكل مشهدا جماليا لفوضى ناعمة، تتغذى من محاولات الطفل المستمرة، وتعبيراته المتوارية خلف تراكم الدروس.
يمكننا تأمل إجابات الطفل ووسم بعضها بالملاحظات التحفيزية، لكن ماذا لو كانت تلك المحاولات المتكررة تؤسس لنظام مستقبلي مكتمل الشروط الإنسانية والحضارية، حيث تكون كراسات المحاولات مختلفة ومتنوعة في بناء تعلمات اجتماعية ونفسية محفزة، لا عنوانا للخيبات؟
تختصر كراسات المحاولات عالما من هواجس الطفل ومخاوفه، لا يقتصر على الأخطاء والإجابات، بل يكشف قلقه من المستقبل والفشل
وثيقة الطفل السرية
لك أن تتخيل أن عالما سريا محتفيا بالفوضى واللامبالاة هو ذاته الذي يرغب في أن يكون مركز الاهتمام والاحترام، فالمساحة التي يشغلها الطفل في فضاء تعليمي وتربوي لا تختص بالمرجعية المؤسساتية للنظام التعليمي ولا بالتأطير المعرفي فحسب، بل تتمركز عنده حول من يستوعب خصوصيته، بمعنى آخر، أن يكون الأستاذ مستمعا جيدا لكل ما يرغب فيه، ومنصتا متفهما لكل ظروفه المعيشية.
ولطالما ارتكز الانشغال المؤسساتي للنظام التعليمي على المناهج المعرفية والتربوية، في حين تنحاز الجوانب النفسية للمتعلمين نحو واقع يكون فيه المعلم وسيطا بين التراكم المعرفي والطفل. من أجل ذلك، تتكون الحساسيات الهشة لدى المتعلمين من تكدس المعرفة، ومن الحشو الذي تنتجه القرارات السياسية، وفي هذا السياق ينتج الطفل تصرفات مربكة، تعيد تشكيل معان قاسية عن المدرسة والمعلم والنظام، من دون الحاجة إلى تلق معرفي لتعريف الأشياء المحيطة به، إذ يعرف الاهتمام والاحترام والحب والتفوق والتعايش، ضمن ما تقتضيه، ليس مراحل التعليم المتعاقبة، بل ما تشكله فضاءات التلقين التي تفتقد الاعتراف بخصوصية الطفل.
تختصر كراسات المحاولات عالما محبوكا بإتقان، ومعنونا بشتى الهواجس والمخاوف الأكثر حساسية لدى المتعلم، إذ لا يقتصر على تكرار الأخطاء أو البحث عن الإجابات الصحيحة، بل تتشكل فيه هواجس الطفل ومخاوفه من المستقبل، ومن فشله المتكرر حينما لا يقوم بواجباته. وبدل أن تكون كراسات المحاولات تعبيرا فنيا عن سعي المتعلم نحو الابتكار وتنمية مهاراته، ينحصر ضمن مصانع إنتاج عقول تنفذ أكثر مما تفكر وتبتكر.
إن آخر شيء يمكن الاهتمام به لدى الجماعة التربوية هي كراسات المحاولات، فهي في سلم التنظيم والتنقيط والمراقبة، وهذا لاحتكامنا إلى معيار قيمة التفوق الذي يزن أعمال العاقل، والطفل لم يبلغ الحلم بعد، لينشأ على الاستجابة الإلزامية بدل الاعتراف له بأهمية الأشياء المحيطة به، وبعالمه الصغير. فهل اطلعت يوما على كراسات محاولات طفلك، كي تكتشف خربشات أحلامه المستقبلية؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

