- تفكيك قانوني لابتلاع مجمعات النفوذ للحزام الأخضر
لم يعد تآكل الحزام الأخضر المحيط بالعاصمة بغداد والمدن العراقية الكبرى نتيجة طبيعية للنمو السكاني والضغط الحضري، بل تحول إلى نشاط ممنهج تحركه شبكات مصالح سياسية وتجارية تستغل فراغات النصوص القانونية لتحويل الأراضي الزراعية إلى مشاريع عقارية استثمارية.
في مناطق من العاصمة بغداد والمحافظات العراقية، تجري تصفية مئات الدونمات من البساتين المثمرة عبر آليات تبدأ بالإهمال المتعمد، وتنتهي بقرارات إدارية تقضي بتغيير جنس الأرض ومخططاتها الأساسية، في مسار تتشابك فيه الجريمة البيئية مع غسل الأموال والهندسة الديمغرافية.
وفرت المجمعات السكنية الاستثمارية الغطاء المثالي لضخ الأموال السائلة، حيث تشترى مساحات زراعية شاسعة بأثمان بخسة بحكم تصنيفها القديم، لتباع لاحقا كوحدات سكنية بأسعار خيالية تتجاوز آلاف الدولارات للمتر المربع
من حماية الأراضي إلى تغيير جنسها
من الناحية التاريخية، فرضت المنظومة القانونية العراقية قيودا صارمة لحماية الثروة الزراعية، كان أبرزها قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 1198 لعام 1977، وقانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لعام 2009، حيث جرما قطع الأشجار وتجريف الأراضي الخضراء، وفرضا عقوبات رادعة بحق المخالفين.
بيد أن هذه المنظومة شلت تدريجيا عبر قرارات تنفيذية لاحقة، كان آخرها التعاطي الإجرائي مع قرار مجلس الوزراء رقم 320 لعام 2022، المتعلق بتمليك الأراضي الزراعية المشيدة وتحويلها إلى سكنية.
وبدلا من أن يعالج القرار أزمة السكن للطبقات الكادحة في العشوائيات، فتح الباب أمام المتنفذين لاصطناع واقع حال: قطع مصادر الري عمدا عن البساتين حتى تجف، ثم استصدار شهادات فحص زراعي تصنفها أرضا بورا خالية من المزروعات، لتتولى لجان التخطيط العمراني في أمانة بغداد والبلديات تغيير صنفها العقاري ونقلها إلى مظلة الاستثمار التجاري.
العقار وغسل الأموال
يرتبط هذا التجريف القانوني ارتباطا وثيقا بالتحولات المصرفية والرقابية في العراق، إذ أدى تشديد إجراءات الامتثال المالي الدولية على التحويلات الخارجية عبر منصة البنك المركزي إلى محاصرة السيولة غير المشروعة المتأتية من العمولات والفساد الحكومي. ونتيجة لصعوبة تهريب الدولار إلى الخارج، اندفعت كتل الأموال النقدية الضخمة نحو القطاع العقاري المحلي بوصفه الملاذ الآمن الأخير لغسل الأموال.
وقد وفرت المجمعات السكنية الاستثمارية الغطاء المثالي لضخ هذه الأموال السائلة، حيث تشترى مساحات زراعية شاسعة بأثمان بخسة بحكم تصنيفها القديم، لتباع لاحقا كوحدات سكنية بأسعار خيالية تتجاوز آلاف الدولارات للمتر المربع، في عملية مضاربة مفتعلة تدر أرباحا هائلة، وتعيد تدوير الأموال المنهوبة في شرايين الاقتصاد الرسمي دون أي تدقيق ضريبي أو جنائي في مصادرها.
إن مواجهة هذا النزيف تستوجب وقف استثناءات تغيير جنس الأراضي الزراعية فورا، وإلغاء الصلاحيات التقديرية للجان الاستثمار المحلية، مع تفعيل ملاحقة شبكات المضاربة العقارية عبر مكتب مكافحة غسل الأموال
تغيير ديمغرافي وعزل طبقي
يتجاوز أثر هذا المسار البعد البيئي والمالي إلى إحداث تغيير ديمغرافي قسري، إذ يؤدي تجريف البساتين وتفتيتها إلى تفكيك المجتمعات الزراعية وتهجير الفلاحين وأصحاب الحيازات الصغيرة تحت وطأة المضاربات والتهديد، لتحل محلهم مجمعات سكنية مغلقة تكرس العزل الطبقي، وتخلق أحزمة سكانية موالية لجهات سياسية محددة على أطراف العاصمة.
هذا الواقع يشكل انتهاكا صريحا للمادة 33 من الدستور العراقي، التي تكفل حق الفرد في العيش في بيئة سليمة، وتلزم الدولة بحمايتها.
كيف يوقف نزيف الأراضي الزراعية؟
إن مواجهة هذا النزيف تستوجب وقف استثناءات تغيير جنس الأراضي الزراعية فورا، وإلغاء الصلاحيات التقديرية للجان الاستثمار المحلية، مع تفعيل ملاحقة شبكات المضاربة العقارية عبر مكتب مكافحة غسل الأموال، واعتبار التجريف الممنهج جريمة إتلاف للمال العام لا تسقط بمرور الزمن، ولا يبررها فرض الأمر الواقع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

