"رحلة بالداسار" لأمين معلوف.. بحث الإنسان عن الإشارات والمعنى

تصميم خاص - الرحلة والمجهول والبحث عن المعنى
تصميم خاص - الرحلة والمجهول والبحث عن المعنى (الجزيرة)
  • رحلة بالداسار.. حين يبحث الإنسان عن الإشارات

"سوف يجتاز بالداسار خلال رحلته في المتوسط، وفي بحار أخرى، بلدانا مشتتة، ومدنا محترقة، ويصادف شعوبا مترقبة، يواجه الخوف والخداع والخيبة، وكذلك الحب في لحظة يأس ".

كانت المرة الأولى التي قرأت فيها رواية "رحلة بالداسار" قبل أكثر من خمسة عشر عاما، وعدت إلى قراءتها قبل أيام. وفي القراءة الثانية لم تبد لي قديمة كما توقعت؛ بل وجدت أن كثيرا من أسئلتها ما زال حاضرا، وأن بعض الأفكار التي مررت عليها سريعا في القراءة الأولى بدت لي هذه المرة أكثر وضوحا.

الرواية، مثل معظم أعمال الكاتب اللبناني-الفرنسي أمين معلوف، مكتوبة أصلا بالفرنسية، وترجمتها أستاذة الترجمة نهلة بيضون، وصدرت طبعتها العربية الأولى عن دار الفارابي في بيروت عام 2001، وتقع في نحو 550 صفحة.

أما بالداسار فهو تاجر ناجح للكتب والتحف والمخطوطات القديمة والنادرة، يعيش في منطقة رمادية بين الإيمان والشك

الكراريس الأربع

لأنه أقسم أن يكتب، وكي لا ينسى، وربما ليخفف عن نفسه ضغوطا أخرى، يكتب بطل الرواية بالداسار إمبرياكو أربع كراريس هي مادة الرواية: "الاسم المئة" و"صوت ساباتاي" و"سماء بدون نجوم" و"إغراء جنوى".

وفي الكراسة الأخيرة يخبرنا أن الكراريس الثلاث الأخرى ضاعت: الأول في القسطنطينية التي غادرها إلى كيوس، والثانية تركها هناك بعد ترحيله، والثالثة في لندن حيث اندلع حريق كبير يفترض أنه أتى عليه. ومع ذلك يبدو أن الكراريس الأربع نجت ووصلت إلينا!

مثيرة هذه اللعبة الروائية؛ فمعلوف يجعل القارئ يتعامل مع الرواية كأنها وثيقة قديمة، ويضعه في منطقة جميلة بين الحقيقة المتخيلة والتاريخ الحقيقي.

الإشارات وسنة الوحش

ينحدر بالداسار من أسرة جنوية عريقة شاركت في الحملات الصليبية، ثم استقرت في الشرق، وخاصة في جبيل، واندمجت مع المجتمع العربي المسلم والمسيحي، مع احتفاظها بذاكرة أصولها.

إعلان

أما بالداسار فهو تاجر ناجح للكتب والتحف والمخطوطات القديمة والنادرة، يعيش في منطقة رمادية بين الإيمان والشك.

في عام 1665 تبدأ إشاعات عن قرب "سنة الوحش "في عام 1666، وأنها ستكون سنة الدينونة ونهاية العالم.

ومن جملة الأسباب التي شجعتني على الكتابة عن الرواية فكرة الإشارات نفسها؛ فالإنسان حين يبحث عنها ويفكر فيها سيجدها بلا شك. وكل حدث في حياته الشخصية أو حوله، ولو كان طبيعيا وعاديا، يمكن أن يصبح إشارة إلى حدث عظيم قادم، ما دام مسكونا بالانتظار والترقب.

وهذه الفكرة، في رأيي، تتجاوز الرواية وسياقها التاريخي؛ فهي لا تخص شعبا أو ثقافة بعينها، بل تمس طبيعة بشرية عامة: أن يبحث الإنسان عن معنى وراء الأحداث، وأن يحول المصادفات والظواهر إلى علامات لما يظنه آتيا.

وبصفته تاجرا، ينتفع بالداسار في البداية من هذه الهواجس؛ فالناس يقبلون على شراء الكتب والمخطوطات المتعلقة بـ"سنة الوحش". لكن اهتمامه يتحول إلى هاجس شخصي حين يزوره روسي غامض اسمه إفدوكيم، ويسأله عن كتاب عربي نادر منسوب إلى أبي ماهر المازندراني، عنوانه "الاسم المئة".

وتتشعب الرواية في نقاشات حول اسم الله الأعظم في الإسلام، وما يقابله من تصورات في تقاليد أخرى، وحول الاعتقاد بأن معرفة الاسم قد تنجي صاحبه من أهوال سنة الوحش.

والسؤال الأهم: هل الكتاب موجود أصلا؟

الجميع يتحدث عنه ويبحث عنه، لكن لا أحد يبدو أنه رآه فعلا، وربما كانت النسخ المتداولة منتحلة كتبها أشخاص للاستفادة.

الرواية لا تحسم شيئا: هل كانت تحب بالداسار فعلا؟ هل استعملته للوصول إلى زوجها الذي ظلت متعلقة به؟ هل كانت مكرهة؟ وهل كانت حاملا فعلا؟

الكتاب عند إدريس

في جبيل يعيش رجل مسن شديد الفقر، متعفف عن سؤال الناس، اسمه إدريس. لا يعرف أحد شيئا واضحا عن أصله. يسلم بالداسار كتاب "الاسم المئة"، ثم يموت بعد ساعات.

أما إمام المسجد الضرير عبد الباسط، وهو رجل ذكي قوي الحجة، فيعلم بالكتاب، لكنه لا يكترث كثيرا به، ويتساءل: ماذا نفع إدريس هذا الكتاب وقد مات فقيرا معدما؟ ويرى أنه تعلم من الأسماء ما يكفيه لصلاته ودعائه، ولا يريد المزيد.

أعجبتني هذه المفارقة؛ فالكتاب الذي يراه الآخرون مفتاحا للنجاة لم ينقذ صاحبه حتى من فقره أو موته.

ولا يمكث الكتاب طويلا مع بالداسار؛ إذ يراه الفارس الفرنسي مارمونتيل، الموفد إلى السلطنة العثمانية والمهتم بالتحف والكتب النادرة، فيأخذه منه في عملية شراء تبدو أقرب إلى الاستيلاء.

الرحلة ومارتا

يعيش بالداسار في جبيل مع شقيقته بليزانس وولديها جابر وحبيب؛ يهتم جابر بالنبوءات والإشارات، بينما حبيب منشغل باللهو والمجون.

وتحت تأثير الفضول والضغوط، يقرر بالداسار مغادرة جبيل بحثا عن الكتاب.

وفي الطريق تدخل مارتا حياته. امرأة تزوجت رجلا أفاقا يدعى سياف، استولى على ثروتها واختفى، ثم وجدت نفسها تحت رحمة أسرته. تريد فرمانا من السلطان يثبت أنها أرملة وحرة، فتقرر الرحيل مع بالداسار ورفاقه إلى القسطنطينية.

يبدأ الأمر بالتعاطف، ثم يتحول إلى حب وعلاقة حميمة، وتخبره مارتا بأنها حامل.

لكن الرواية لا تحسم شيئا: هل كانت تحب بالداسار فعلا؟ هل استعملته للوصول إلى زوجها الذي ظلت متعلقة به؟ هل كانت مكرهة؟ وهل كانت حاملا فعلا؟

إعلان

هذه من معالم الرواية؛ فمعلوف لا يقدم إجابة جاهزة، وإنما يترك للقارئ مساحة للشك والتأويل.

الأسئلة الحقيقية أصبحت: لماذا يبحث الإنسان عن الإشارات؟ لماذا يخاف المجهول؟ لماذا يطارد النبوءات؟ وكيف يتعرف إلى نفسه وإلى الآخر؟

من جبيل إلى جنوى

يمر بالداسار في طرابلس وحلب والقسطنطينية وكيوس وإزمير ولندن، ويشهد أحداثا تاريخية وحروبا وتعصبا وحريق لندن، ويلتقي أشخاصا من ديانات وثقافات مختلفة، مثل ميمون اليهودي ورجل من أشراف أصفهان وقساوسة وغيرهم.

وهذه إحدى السمات التي تتكرر في أعمال أمين معلوف: الشخصيات المختلفة في الدين والثقافة تستطيع أن تتحاور وتتعارف وتبني الصداقة، حتى عندما يكون العالم المحيط بها غارقا في الصراع.

وفي جنوى، وطن أجداده، يلتقي الثري غريغوريو الذي يحمل احتراما خاصا لأسرة إمبرياكو، ويعرض على بالداسار المال والشراكة والزواج من ابنته، لكن قلبه يبقى معلقا بمارتا وبالعودة إلى جبيل.

الكتاب أم رحلة الإنسان؟

يستعيد بالداسار أخيرا كتاب "الاسم المئة" من الكاهن المنبوذ كونن في لندن، ويقرأ منه بعض الفصول، لكن غشاوة تصيبه كلما أمعن في القراءة.

هل هي لعنة؟ أم سحر؟ أم وهم؟ أم لا يستحق معرفة الاسم؟ لا تجيب الرواية.

وهنا شعرت أن الكتاب نفسه بدأ يتراجع إلى الخلف، وأن الرحلة أصبحت أهم من الشيء الذي خرج بالداسار بحثا عنه.

فالأسئلة الحقيقية أصبحت: لماذا يبحث الإنسان عن الإشارات؟ لماذا يخاف المجهول؟ لماذا يطارد النبوءات؟ وكيف يتعرف إلى نفسه وإلى الآخر؟

ففي منتصف القرن السابع عشر كان أناس من ديانات وطبقات مختلفة ينتظرون نهاية العالم في عام 1666. وبعد أكثر من ثلاثة قرون ونصف، تغيرت العلوم ووسائل النقل والاتصال، وتبدلت الخرائط والأنظمة، واندلعت حروب هائلة، وتغيرت طريقة عيش الإنسان.

لكن الإنسان نفسه لم يتغير بالسرعة ذاتها. ما زال يبحث عن الإشارات، ويخاف المجهول، ويبحث عن هويته ومصيره، ويتساءل عن مصدر سعادته وتعاسته، ويحاول أن يجد معنى لما يحدث حوله.

ولهذا كانت العودة إلى "رحلة بالداسار" بالنسبة إليّ أكثر من إعادة قراءة لرواية قديمة. كنت أعرف أحداثها، لكنني لم أكن الشخص نفسه الذي قرأها قبل أكثر من خمسة عشر عاما.

وربما هذه إحدى علامات الرواية الجيدة: أن تعود إليها فلا تجد الرواية وحدها، بل تجد نفسك قد تغيرت أيضا.

في النهاية، لم تكن رحلة بالداسار، في نظري، بحثا عن "الاسم المئة" بقدر ما كانت رحلة الإنسان في البحث عن نفسه، وهو يطارد المعنى وسط الخوف والحب والشك والإيمان والمجهول.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان