الصيدلة الجينية.. هل يمكن لجيناتك أن تحدد الدواء الأنسب لك؟

DNA Gene Helix spiral molecule structure
الكاتب: الجينات واحدة من المعلومات المهمة التي تساعدنا على جعل العلاج أكثر شخصية ودقة (شترستوك)

قد يتناول شخصان الدواء نفسه، بالجرعة نفسها، وللمشكلة الصحية نفسها، لكن النتيجة قد تكون مختلفة تماما. أحدهما يشعر بتحسن واضح، بينما لا يحصل الآخر على الفائدة نفسها، أو قد يعاني من آثار جانبية لم تظهر لدى الأول. هذا الاختلاف يطرح سؤالا مهما: لماذا لا تعمل الأدوية بالطريقة نفسها لدى الجميع؟

هذا السؤال أصبح يلفت انتباهي أكثر خلال سنوات عملي في مجال الصيدلة. فالإنسان ليس مجرد تشخيص طبي، والدواء لا يعمل بالطريقة نفسها داخل كل جسم. هناك عوامل كثيرة تؤثر في استجابة المريض للعلاج، مثل العمر، ووظائف الكبد والكلى، والأدوية الأخرى التي يتناولها، ونمط الحياة والغذاء، إضافة إلى الاختلافات الجينية بين الأشخاص.

دور الصيدلي لم يعد يقتصر على صرف الدواء، بل أصبح من المهم أن يفهم الصورة الكاملة للعلاج، وأن يستطيع تفسير المعلومات المتعلقة بالدواء وربطها بخصائص المريض

حين تدخل الجينات إلى عالم الدواء

هنا يأتي دور علم الصيدلة الجينية، وهو مجال يدرس أثر الاختلافات الجينية في استجابة الإنسان للأدوية. وقد تؤدي بعض الاختلافات الجينية إلى تغيير سرعة الجسم في استقلاب الدواء، أي الطريقة التي يعالج بها الجسم الدواء ويحوله ويتخلص منه.

في بعض الحالات، قد يؤدي هذا الاختلاف إلى وصول الدواء إلى مستوى أعلى أو أقل من المتوقع في الجسم، مما قد يؤثر في فاعليته أو يزيد احتمال ظهور بعض آثاره الجانبية. وهذا يجعل المعلومات الجينية، عندما تكون مدعومة بأدلة علمية، عاملا يمكن أن يساعد في فهم سبب اختلاف الاستجابة بين المرضى.

هل الجينات تحدد الدواء المناسب؟

لكن هل يعني ذلك أن تحليل الجينات يمكن أن يخبرنا بالدواء المثالي لكل إنسان؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. فالاختبار الجيني ليس كرة بلورية تستطيع أن تتنبأ بكل ما سيحدث للمريض، ولا يعني أن كل شخص يحتاج إلى تحليل جيني قبل تناول الدواء.

الجينات جزء من الصورة، وليست الصورة كلها. حتى عندما تكون لدينا معلومة جينية مفيدة، يجب أن ننظر إليها إلى جانب التاريخ المرضي للمريض، ووظائف الكبد والكلى، والأدوية الأخرى، والعمر، والجرعة، ومدى الالتزام بالعلاج، وغيرها من العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة.

إعلان

وهذا ما يجعل الطب الشخصي مختلفا عن فكرة أن "الجينات تحدد كل شيء". الهدف ليس استبدال الطبيب أو الصيدلي باختبار جيني، وإنما إضافة معلومة أخرى يمكن أن تساعد في اتخاذ قرار علاجي أكثر دقة عندما تكون هناك أدلة علمية تدعم استخدامها.

دور الصيدلي في الطب الشخصي

من وجهة نظري، قد يتغير دور الصيدلي مع تطور هذا المجال. فدور الصيدلي لم يعد يقتصر على صرف الدواء، بل أصبح من المهم أن يفهم الصورة الكاملة للعلاج، وأن يستطيع تفسير المعلومات المتعلقة بالدواء وربطها بخصائص المريض.

ومع ازدياد قدرتنا على معرفة المزيد عن أجسامنا وجيناتنا، ستصبح الحاجة أكبر إلى متخصص يستطيع تحويل هذه المعلومات إلى قرارات مفهومة ومفيدة للمريض. فالمعلومة الجينية وحدها لا تكفي؛ قيمتها الحقيقية تظهر عندما تفهم في سياق المريض والعلاج الذي يتلقاه.

وقد يكون من المهم أيضا أن نتجنب التعامل مع الصيدلة الجينية باعتبارها تقنية تستحق الاستخدام لمجرد أنها جديدة. السؤال الأهم هو: هل ستضيف هذه المعلومة شيئا حقيقيا إلى القرار العلاجي؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون ذات قيمة. أما إذا لم تغير شيئا في القرار، فقد لا يكون إجراء الاختبار مبررا.

قد يكون الدواء نفسه موجودا على رف الصيدلية، لكن الأشخاص الذين يتناولونه ليسوا متشابهين. نحن مختلفون في أجسادنا، وفي طريقة استجابتنا للعلاج، وفي جيناتنا

من التجربة والخطأ إلى علاج أكثر دقة

ربما لا يكون مستقبل العلاج في اكتشاف دواء جديد لكل شخص، وإنما في استخدام الأدوية الموجودة بطريقة أكثر ذكاء ودقة. فبدلا من أن نعتمد دائما على مبدأ التجربة والخطأ، يمكن في بعض الحالات الاستفادة من المعلومات الجينية إلى جانب التاريخ المرضي والفحوصات والعوامل الأخرى للوصول إلى علاج أكثر ملاءمة.

لكن هذا المستقبل يحتاج إلى التوازن. فالحماس للتكنولوجيا لا ينبغي أن يتجاوز الأدلة العلمية. ليس كل اختبار جيني مفيدا، وليس كل نتيجة تستدعي تغيير العلاج. المهم هو أن نعرف متى تكون المعلومة الجينية ذات قيمة حقيقية للمريض، ومتى لا تضيف شيئا إلى القرار العلاجي.

في النهاية، قد يكون الدواء نفسه موجودا على رف الصيدلية، لكن الأشخاص الذين يتناولونه ليسوا متشابهين. نحن مختلفون في أجسادنا، وفي طريقة استجابتنا للعلاج، وفي جيناتنا.

ولهذا أرى أن مستقبل الرعاية الدوائية لن يكون فقط في اكتشاف أدوية جديدة، بل أيضا في معرفة أي دواء قد يكون أنسب لشخص معين، ومتى، وبأي جرعة. فالمريض ليس مجرد رقم في وصفة دوائية، والجينات ليست قدرا محتوما؛ لكنها قد تكون واحدة من المعلومات المهمة التي تساعدنا على جعل العلاج أكثر شخصية ودقة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان