- المال وحده لا يصنع الفارق.. القرار والفكر هما من يصنعانه
في نادي الوحدات الأردني اليوم، لم يعد السؤال: من يمول؟ بل أصبح السؤال الأهم: من يملك الشجاعة ليقرر؟
مرت سنوات عجاف على النادي، دفع من خلالها ثمن صراعات داخلية مؤسفة، ومنذ ذلك اليوم لم ير النور. الوحدات يعيش حالة انقسام داخلي مؤلمة بين إدارات وجماهير تتنازع على ماض من سراب، صراعات حولت تاريخ البطولات إلى ذكريات تستهلك، بلا حاضر يبنى عليه. النادي الذي كان يضرب به المثل أصبح أسيرا يثير الأسى أكثر مما يثير الغضب.
أعلم أنك اكتشفت لاحقا أنك دخلت صراعا وحداتيا داخليا معقدا ومليئا بالتناقضات بين أطراف وإدارات مختلفة، فأصابك بعض التردد، ومع ذلك واصلت الدعم
سؤالي إلى كل من يدافع عن الإدارة الحالية أو السابقة: لماذا هذا التناحر بينكم؟ وما الإنجاز الحقيقي الذي قدم للنادي خلال السنوات الماضية حتى يبرر هذا الاصطفاف والدفاع المستميت؟ النتيجة واضحة للعيان: تراجع فني وإداري، ومديونية متراكمة، وفقدان تدريجي للهوية. والوحدات الذي نعرفه ضاع وسط تصرفات عقيمة وحسابات ضيقة. لذلك، هذا المقال موجه للجمهور الذي يغار على الوحدات كمؤسسة، وليس كساحة لتصفية الحسابات.
إلى السيد عماد الدميسي، عفوا منك، لكنها الحقيقة التي يجب أن تقال: محبتك الصادقة للنادي وغيرتك عليه أمر مقدر ولا يختلف عليه أحد، لكنك شخصية عاطفية، وتتصرف بعاطفة جياشة، والوحدات في هذه المرحلة لا يحتاج إلى عواطف، بل يحتاج إلى عواصف للتغيير. عليك أن تكون صاحب رؤية وقرار، لا مجرد ممول يطفئ الحرائق المالية والإدارية.
من حقنا كجمهور وحداتي أن ننقذك من السموم التي تحيط بك. فمثلما تحاول إنقاذ الوحدات، على الوحدات أن ينقذك من "الوحدات" الذي يدعي أنه وحدات. كونك لا تعرف كم "وحدات" لدينا داخل الوحدات؛ ففي داخل الوحدات مليون وحدة، والوحدات الأصلي -وحدات البطولات- ضاع بين وحدات الكرسي ووحدات المصالح ووحدات الإدارات.
نحترم وقوفك الشجاع مع النادي في ظروف مخجلة فنيا وإداريا وجماهيريا. مددت يدك لإنقاذ النادي، ولم تبخل بدعمك الذي تجاوز المتوقع، وكسبت محبة الشارع الوحداتي ورضاه، وهذا مصدر قوة يحسب لك، ويضع على عاتقك مسؤولية أكبر. فالدعم المالي الذي تقدمه، من محترفين وحافلة ومحاولة معالجة المديونية، مهم.
أعلم أنك اكتشفت لاحقا أنك دخلت صراعا وحداتيا داخليا معقدا ومليئا بالتناقضات بين أطراف وإدارات مختلفة، فأصابك بعض التردد، ومع ذلك واصلت الدعم. لكن العلاقات الشخصية مع أعضاء الإدارات والحسابات الضيقة داخل النادي لا يجوز أن تكون على حساب مستقبله.
أنت لست "بنكا" لهم، والدعم المالي وحده -مهما بلغت ضخامته- لا يكفي، بل يبقى علاجا مؤقتا ما لم يربط بإصلاح هيكلي وجذري شامل. النادي اليوم بحاجة إلى من يملك المال والقرار معا، لا إلى ممول فقط. وأنت قادر على أن تكون صاحب مشروع استثماري وإداري مستدام، لا مجرد داعم لموسم عابر.
النادي الذي يفتقد الرؤية الواضحة والحوكمة لن يحقق شيئا. وتراجع النتائج في بداية الموسم الحالي -من خسارة لقب السوبر إلى التعثر النقطي والعقم التهديفي- ليس إلا انعكاسا طبيعيا لخلل المنظومة. فحتى لو استقطبت أفضل المدربين واللاعبين، لن يحقق الوحدات شيئا ما دام فارغا من هويته ومن نظامه الإداري.
أبناء النادي هم من يصنعون الهوية ويخدمون الفريق لسنوات، خاصة إذا تم الاستثمار بهم، شريطة حمايتهم بعقود احترافية عادلة تحفظ حقوق الطرفين
القرار الآن في ملعبك، وهذه خارطة طريق لإنقاذ حقيقي بلا مهدئات:
- المال مقابل الاستقالة: اجتمع بالإدارة، وضع شرطا واضحا ومباشرا وبلا رتوش: "أنا مستعد لتسديد المديونية بالكامل بشرط تقديم استقالة جماعية فورية"، استجابة لشرط الإدارة المعلن سابقا بجاهزية الاستقالة لمن يتكفل بالديون، وعلى لسان رئيس النادي الحالي يوسف المختار: "من يدفع المديونية يتفضل، واستقالتنا جاهزة". لا تدفع دينارا واحدا ليسجل كإنجاز لإدارة أثبتت فشلها، بل اجعل مالك ثمنا لخلاص النادي وتجديد دماء الهيئة العامة.
- استخدام الضغط المالي لفرض الإصلاح كخيار الضغط الأخير: إذا رفضت الأطراف ترتيب البيت الداخلي عن طريق تقديم استقالتها، فتعليق الدعم المالي أو إعادة النظر فيه يصبح قرارا مسؤولا؛ لأن ضخ المال في منظومة منقسمة وغير منضبطة هو سكب للمال في بئر مثقوبة. والدعم الحقيقي يكون بفرض التغيير، لا بتكريس الأمر الواقع.
- إعادة بناء الهوية الوحداتية واستعادتها عبر الفئات العمرية، لا شراء أسماء جاهزة: توقفوا عن إهدار المال على صفقات المحترفين. المحترف إن نجح قد يعطي نتيجة مؤقتة، بينما يكمن الحل المستدام في توجيه جزء من الدعم لتطوير قطاع الناشئين. أبناء النادي هم من يصنعون الهوية ويخدمون الفريق لسنوات، خاصة إذا تم الاستثمار بهم، شريطة حمايتهم بعقود احترافية عادلة تحفظ حقوق الطرفين.
- تشكيل لجنة فنية مستقلة: إبعاد الملف الفني عن المزايدات، وتشكيل لجنة كروية من شخصيات وحداتية معروفة بالنزاهة والكفاءة، تكون مسؤولة عن اختيار المدرب والجهاز واللاعبين وفق معايير فنية واضحة، بعيدا عن الأهواء والمجاملات.
- إعادة هيكلة الإدارة ماليا وتنظيميا: وضع نظام حوكمة مالي يلزم أي إدارة قادمة بسقف مالي محدد للإنفاق، ومنع تكرار سيناريو تراكم الديون، حتى لا يتكرر ارتهان النادي لـ"جيوب الداعمين".
أخيرا: يا دميسي، الدعم الحقيقي ليس أن تكون الصراف الآلي فقط، بل أن تكون صاحب القرار الذي يستأصل الداء، لا يسكنه بتهدئة الأعراض. الوحدات ينتظر قرارا مفصليا، لا موسما آخر من الوعود الكاذبة. فهل ستكون صاحب هذا المشروع الإصلاحي؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

