الصدقة والابتلاء.. حكايات عن العطاء الذي يفتح أبواب الفرج

وزعت هيئة الإغاثة الإنسانية (IHH) التركية مساعدات غذائية على 500 أسرة متضررة من الفيضانات في إندونيسيا. وأشارت الهيئة إلى أنها تبذل جهود إغاثة طارئة في المنطقة. ( İHH - وكالة الأناضول )
هيئة الإغاثة الإنسانية (IHH) التركية توزع مساعدات غذائية على أسر متضررة من الفيضانات في إندونيسيا (وكالة الأناضول)

بعد يوم طويل قضيناه في علاج المرضى اللاجئين داخل أحد مستشفيات عمان الكبيرة، اتجهنا لاحتساء القهوة في مقهى قريب. هناك، وأثناء جلوسنا، حدثني زميلي صالح عن جانب في حياته لا يظهره غالبا للناس.

كان صالح يتمتع بذكاء حاد، وسرعة بديهة، وروح مرحة جعلته محبوبا بين الجميع. لكن خلف هذا الوجه البشوش، كان يخفي ألما عميقا؛ إذ لم يكن هو وزوجته قادرين على الإنجاب في السنوات الأولى من زواجهما، رغم خضوعهما لكثير من الفحوصات ومحاولات العلاج التي لم يكتب لها النجاح. كان الألم ظاهرا في عينيه، كأن شيئا من روحه يستنزف بصمت.

في يوم ما، بعد وقوع أحداث الحرب السورية عام 2011، استيقظ في داخله معنى آخر للحياة. حول الألم حبيس قلبه إلى نهر جار من العطاء. بدأ برعاية عائلة من الأيتام، ثم اثنتين، حتى صار يرعى ثلاثين عائلة. صاروا جزءا من حياته، يزورهم، يلاعب أطفالهم، ويشاركهم تفاصيل أيامهم. ولم يكتف بذلك، بل أسكنهم عمارة كاملة، وتكفل بمصاريف معيشتهم من ماء وكهرباء وطعام وتعليم.

ومع مرور السنوات، وفي عام زواجهما السابع، جاءه الفرج من حيث لا يحتسب، فبشرته زوجته بالحمل، ورزقا بطفل سمياه "عمر". كانت تلك الهبة كأنها تتويج لرحمة سبقتها. وكما يقال: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء"، و"ما كان لله دام واتصل".

لم يتغير صالح بعد ذلك، بل بقي وفيا لرسالته، يرعى أيتامه ويقوم على شؤونهم، كأن الخير الذي زرعه صار جزءا من كيانه لا ينفصل عنه. لا ندري ماذا كان بين صالح وبين الله، ربما كانت الصدقة رفعا للبلاء الذي أصابه، ولربما كان يقوم الليالي مصليا وداعيا ومستغفرا، فتحقق له وعد الله تعالى الذي قال في سورة نوح: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾.

لقد تصدقت نور عندما كفلت الطفلة وأرضعتها، فأصبحت أما لها. أحسنت تربيتها والعناية بها وقامت بتعليمها

نور، مدرّسة فيزياء في إحدى مدارس العاصمة، تزوجت في الحادية والعشرين، وعاشت مع زوجها حياة هادئة لم ينغصها إلا شيء وحيد: عدم قدرتها على الحمل. لم يستطع الطبيب أن يجد أي علة واضحة لديها أو لدى زوجها. سنوات طويلة من محاولات العلاج دون جدوى، وذات مرة حملت!

إعلان

فغمر قلبها الفرح، وانتظرت بفارغ الصبر أن تحتضن رضيعها. لكن عندما حان موعد الولادة، كانت الصدمة: وضعت طفلا مصابا بمتلازمة إدوارد، ولم تمض بضعة أيام حتى فارق الحياة، كما هو حال المولودين بهذه المتلازمة.

بعدها بفترة قصيرة، فكرت نور أن تنتفع من حليبها، فكفلت طفلة ومنحتها حنانها وأرضعتها، فصارت ابنة لها. كبرت الطفلة "ريما" في بيت مليء بالحب، وكانت نور لها أما بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ازداد حب الطفلة "ريما" في قلب أمها نور مع مرور الأيام، وسخرت لها كل وقتها. حتى دخلت ريما المدرسة، آثرت والدتها أن تنقلها إلى مدرسة في مدينة مجاورة، خشية أن يؤذيها أحد ويذكرها بأنها طفلة متبناة لا تعرف هوية والديها.

كبرت ريما وصارت تلعب مع أصدقائها وإخوتهم، وتساءلت: لماذا ليس لي إخوة؟ صارحت أمها: "أمي، لماذا لا يكون لي إخوة مثل بقية أصدقائي؟" حزنت الأم نور، لكنها أجابتها بكل لطف: "ليس كل إنسان لديه إخوة، النبي صلى الله عليه وسلم ولد وعاش يتيما ولم يكن له إخوة".

مرت الأيام وكبرت ريما حتى بلغت الثامنة من عمرها. وذات يوم، بينما كانت تأكل طعام الغداء مع أمها، شعرت نور أنها ليست على ما يرام، فلم تكن ترغب في الطعام وكانت تشعر بإعياء. وبعد زيارة الطبيبة، جاءت المفاجأة: بعد عشرين سنة من الزواج، نور حامل لأول مرة من دون أي علاج! لم تصدق نور ما سمعته أذناها: كيف ذلك؟ أيعقل؟ هل أنت متأكدة مما تقولين؟ كان الخبر صاعقا بقدر ما كان مفرحا. أنجبت ذكرا، صار أخا ريما الصغير.

لقد تصدقت نور عندما كفلت الطفلة وأرضعتها، فأصبحت أما لها. أحسنت تربيتها والعناية بها وقامت بتعليمها. كأن العطاء الذي قدمته عاد إليها مضاعفا، وكأن الرحمة التي منحتها لغيرها فتحت لها أبوابها.

الصدقة عبادة ذات أثر روحي واجتماعي ومادي في حياة الفرد والمجتمع. لا تعني الصدقة إزالة الابتلاء، لكن لها تأثيرات عملية تجعل وقع البلاء أخف، أو قد تغير نوعه ومرتبته

كانت منار، طبيبة أشعة سودانية، امرأة مفعمة بالأمل والإيمان. في صباح يوم جمعة هادئ، كانت تعمل بجد، تستقبل المرضى واحدا تلو الآخر، حتى تجاوز عددهم خمسين مريضا، بعد أن اعتذر زميلها عن عدم الحضور للعمل وطلب منها أن تنوب عنه.

لم تتردد، وبقيت في المستشفى حتى وقت متأخر، تؤدي عملها بإخلاص. وفي اليوم التالي، طلب منها زميلها عدم الحضور إلى المستشفى، وأنه سيقوم بفحص المرضى لذاك اليوم تقديرا لجهدها.

لقد كان ذلك اليوم هو بداية الحرب في السودان، حيث حوصر الأطباء داخل المستشفى لأيام طويلة. لحسن حظها أنها لم تذهب للمستشفى، فلو أنها ذهبت في ذلك اليوم المشؤوم، لكان مصيرها كمن حوصروا، ولذاقت ويلات الحصار والحرمان، ولعاشت لحظات الرعب التي لا تحتمل. كتب الله لها السلامة نظير إخلاصها وتطوعها بوقتها، لقد كانت مثالا لمن يحسن العمل دون انتظار مقابل.

إن الابتلاء سنة ربانية واقعة على الجميع في جميع مراحل حياتهم، له أشكال عديدة، كما قال تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ [البقرة: 155]. والصدقة عبادة ذات أثر روحي واجتماعي ومادي في حياة الفرد والمجتمع. لا تعني الصدقة إزالة الابتلاء، لكن لها تأثيرات عملية تجعل وقع البلاء أخف، أو قد تغير نوعه ومرتبته. إذ إن مساعدة الآخرين تقوي الروابط الاجتماعية، وتوفر شبكة دعم وقت الشدة، وهذا يخفف وقع الابتلاء النفسي. وقد بين الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" أن الإنفاق سبب للطمأنينة والسكينة، وأن العبادات تعمل على تلطيف قسوة البلاء على النفس.

إعلان

فيا من ضاقت به الدنيا، ويا من طال انتظاره، ويا من أوتي من البلاء ما أثقل كاهله: تذكر أن مع العسر يسرا، وأن في الصدقة والبذل فرجا. فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان