- حين تنعطف أوروبا يمينا.. هل يتصدع النظام الذي صنعه الغرب؟
قد تبدو الصورة شديدة التناقض: في قارة تشيخ وتبحث اقتصاداتها عن العمال والمهارات، يفكر مهاجرون في حزم حقائبهم والرحيل. وفي ساكسن-أنهالت الألمانية لم يعد هذا التناقض افتراضيا؛ فقبل أيام من انتخابات الولاية المقررة في 6 سبتمبر/أيلول، تضع أحدث استطلاعات الرأي حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AFD) عند 42%، مقابل 22% للاتحاد الديمقراطي المسيحي، أي بفارق عشرين نقطة مئوية.
وفي ماغديبورغ، أغلقت نحو 150 متجرا يديرها مهاجرون أبوابها لساعات في احتجاج رمزي على العنصرية والإقصاء وصعود اليمين. وفي اللحظة نفسها تقريبا، خرجت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل عن صمتها النسبي، داعية الألمان إلى التحلي بالشجاعة والدفاع مجددا عن الديمقراطية.
لكن ماذا لو لم تكن حقيبة المهاجر سوى العلامة الأكثر وضوحا على تحول أكبر؟
فما يجري في ولاية ألمانية لا ينفصل عن انعطافة يمينية تتسع في أوروبا، ولا عن مفارقة تواجه القارة في لحظة دقيقة من تاريخها: أوروبا تحتاج إلى المهاجر اقتصاديا وديمغرافيا، بينما تتقدم سياسيا القوى الأكثر تشددا تجاهه. وإذا انتقلت القومية من هامش السياسة إلى مركزها، فلن يكون السؤال متعلقا بسياسات الهجرة وحدها، بل بقدرة أوروبا على البقاء كتلة متماسكة في عالم تتغير موازين قوته بسرعة.
ومن هنا يصبح السؤال أبعد من ساكسن-أنهالت وأكبر من "البديل من أجل ألمانيا": هل نحن أمام موجة انتخابية عابرة، أم أمام انعطافة أوروبية قد تضعف أحد أهم الأعمدة التي قام عليها النظام الدولي الذي صنعه الغرب طوال ثمانية عقود؟
الناخب القلق لا يسأل بالضرورة: كم عاملا يحتاج الاقتصاد؟ بل قد يسأل: من سيحدد شكل المجتمع الذي سيعيش فيه أبنائي؟
أوروبا العجوز ومفارقة الخوف من المهاجر
تواجه ألمانيا، مثل أجزاء واسعة من أوروبا، معضلة ديمغرافية لم تعد قابلة للتأجيل. وتشير تقديرات "يوروستات" إلى أن نسبة السكان في سن العمل، بين 20 و64 عاما، قد تنخفض في الاتحاد الأوروبي من 58% عام 2025 إلى 50% بحلول نهاية القرن، بالتوازي مع ارتفاع متسارع في نسبة كبار السن.
وفي ألمانيا تبدو المفارقة أكثر حدة. فقد أظهرت بيانات وكالة العمل الاتحادية أن عدد الألمان في سن العمل انخفض بنحو 3.9 ملايين شخص بين عامي 2014 و2024، في حين ارتفع عدد الأجانب في الفئة نفسها بنحو 3.4 ملايين. ومنذ عام 2024 بات نمو التوظيف مدفوعا حصريا بالعمال الأجانب، بما يجعل الهجرة جزءا من مستقبل سوق العمل الألماني، لا قضية هامشية فيه.
ومع ذلك، تتحول الهجرة ذاتها إلى واحدة من أكثر القضايا قدرة على دفع قطاعات من الناخبين نحو اليمين. لماذا يخشى مجتمع سياسيا من مورد بشري يحتاج إليه اقتصاديا؟
يقدم المفكر السياسي البلغاري إيفان كراستيف (1965–)، رئيس مركز الإستراتيجيات الليبرالية في صوفيا وأحد أبرز الباحثين في الديمقراطية والشعبوية الأوروبية، مدخلا لفهم هذا التناقض خارج لغة الاقتصاد وحدها. فالهجرة تتقاطع، في قراءاته للتحولات الأوروبية، مع أسئلة أعمق حول الهوية والسيادة والخوف من فقدان السيطرة على شكل المجتمع ومستقبله.
فالناخب القلق لا يسأل بالضرورة: كم عاملا يحتاج الاقتصاد؟ بل قد يسأل: من سيحدد شكل المجتمع الذي سيعيش فيه أبنائي؟
وهنا يجد الخطاب الشعبوي مساحته. فبينما تتحدث المؤسسات عن نقص العمالة والشيخوخة السكانية، يتحدث اليمين عن الحدود والهوية والأمن. وبينما تصاغ الحاجة إلى المهاجر بلغة الاقتصاد، يصاغ الخوف منه بلغة الانتماء. وفي صناديق الاقتراع قد تكون الثانية أكثر قدرة على الحشد من الأولى.
عندما ينتقل اليمين من الهامش إلى قلب أوروبا
لا تبدو ساكسن-أنهالت حالة معزولة. فمن فرنسا وإيطاليا والنمسا وهولندا إلى دول أوروبية أخرى، انتقلت قوى اليمين القومي والشعبوي من مواقع الاحتجاج على النظام السياسي إلى المشاركة في تشكيل أجندته، سواء وصلت إلى الحكم أم بقيت خارجه.
فاليمين لا يحتاج دائما إلى الحكم كي ينتصر سياسيا؛ يكفي أحيانا أن يدفع خصومه إلى تبني جزء من أسئلته ومفرداته. وكلما اتسعت قاعدته الانتخابية، ازدادت الضغوط على أحزاب الوسط للاقتراب من سياساته الأكثر تشددا خشية خسارة الناخبين. وهكذا يمكن لأفكار كانت على أطراف المجال السياسي أن تنتقل تدريجيا إلى مركزه.
وهذا التحول يمس الفكرة التي قام عليها المشروع الأوروبي نفسه. فقد نشأ التكامل الأوروبي، في أحد أبعاده الأساسية، من محاولة احتواء القوميات المتنافسة التي مزقت القارة في النصف الأول من القرن العشرين، عبر بناء مصالح ومؤسسات تتجاوز حدود الدولة الوطنية. لذلك فإن عودة منطق "الدولة أولا" تعيد فتح أسئلة السيادة والتضامن وحدود الالتزام بالمشروع الجماعي.
ولا يعني ذلك انهيارا وشيكا للاتحاد الأوروبي؛ فخطر قد يكون أبطأ: أن يبقى الاتحاد قائما في مؤسساته، بينما تتراجع تدريجيا قدرته على التصرف بوصفه كتلة سياسية ذات مصالح ورؤية مشتركة. وعندها لا تعود المسألة أوروبية فقط.
يقدم الفقيه والمنظر السياسي الألماني كارل شميت (1888-1985)، الشخصية الإشكالية التي ارتبطت تاريخيا بالنظام النازي، مفتاحا مختلفا للقراءة. فقد وضع ثنائية "الصديق والعدو" في قلب مفهومه للسياسي، بوصفها من الطرق التي ترسم بها الجماعة حدودها وتحدد من ينتمي إليها ومن يقع خارجها
هل يتصدع أحد أعمدة النظام الذي صنعه الغرب؟
لم تقم القوة التي تمتعت بها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية على تفوقها العسكري والاقتصادي وحده، بل استندت أيضا إلى شبكة من التحالفات والمؤسسات الدولية، وكانت أوروبا والتحالف عبر الأطلسي من أهم أعمدتها. ومن هنا يصبح السؤال عن تماسك أوروبا، في جانب منه، سؤالا عن مستقبل النظام الدولي الذي قاده الغرب.
ويأتي الصعود القومي في لحظة يتعرض فيها هذا النظام أصلا لضغوط متراكمة: كشفت جائحة كورونا هشاشة سلاسل الإمداد، وأعادت الحرب الروسية الأوكرانية القوة العسكرية والجغرافيا السياسية إلى قلب أوروبا، فيما فاقمت حرب غزة الجدل حول شرعية القواعد الدولية وانتقائية تطبيقها.
وفي الوقت نفسه، يتصاعد التنافس الأمريكي الصيني، بينما تتحول العولمة تدريجيا من منطق الانفتاح الواسع إلى مفردات الأمن الاقتصادي وتقليل المخاطر وحماية سلاسل الإنتاج.
لا تكفي واحدة من هذه الصدمات لإعلان نهاية نظام عالمي، لكنها حين تتراكم تغير البيئة التي سمحت له بالاستمرار.
وهنا تكتسب قراءة عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل والرشتاين (1930-2019)، أحد أبرز منظري "تحليل النظم العالمية"، دلالتها. فمن خلال مقاربته للنظام العالمي يمكن النظر إلى الهيمنة باعتبارها موقعا تاريخيا قابلا للتآكل مع تغير توزيع القوة، لا حالة أبدية. ولذلك قد لا يكون ما نشهده "انهيارا أمريكيا" يعقبه تلقائيا صعود صيني، بل انتقالا أطول نحو نظام أكثر تعددا في مراكز القوة.
وفي هذا التحول تصبح أوروبا جزءا من المعادلة. فإذا تراجعت قدرتها على إنتاج موقف مشترك بفعل تصاعد الحسابات القومية، فإنها لا تقلص وزنها وحدها، بل تضعف إحدى الشبكات التي منحت القيادة الأمريكية جانبا من قوتها العالمية. والمفارقة أن قومية أمريكية تتساءل عن كلفة التزامات واشنطن تجاه حلفائها، وقوميات أوروبية تطالب باستعادة مزيد من القرار الوطني، قد تلتقيان -رغم اختلاف دوافعهما- عند إضعاف البنية الأطلسية التي شكلت أحد أعمدة النظام الغربي.
شميت يقلب السؤال.. هل تحتاج الشعبوية إلى "الآخر"؟
يبقى سؤال لا تجيب عنه الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية وحدها: لماذا ينجح الخطاب المناهض للهجرة في قارة تعرف أنها تحتاج إلى المهاجر؟
هنا يقدم الفقيه والمنظر السياسي الألماني كارل شميت (1888-1985)، الشخصية الإشكالية التي ارتبطت تاريخيا بالنظام النازي، مفتاحا مختلفا للقراءة. فقد وضع ثنائية "الصديق والعدو" في قلب مفهومه للسياسي، بوصفها من الطرق التي ترسم بها الجماعة حدودها وتحدد من ينتمي إليها ومن يقع خارجها.
وباستعارة هذا المفتاح التحليلي، قد لا يكون السؤال: لماذا يرفض الأوروبي مهاجرا يحتاج إليه اقتصاديا؟ بل: ماذا لو كان المهاجر يؤدي داخل الخطاب الشعبوي وظيفة "الآخر" الذي تعاد في مواجهته صياغة "نحن"؟
عندها تصبح لغة الأرقام محدودة التأثير. فالاقتصاد يسأل عما يضيفه المهاجر إلى سوق العمل، بينما تسأل سياسة الهوية عمن يملك حق الانتماء. وإذا دفعت أوروبا، تحت ضغط الخوف السياسي، العمال والكفاءات وأصحاب الأعمال الذين تحتاج إليهم إلى البحث عن مكان آخر، فقد تقلص بنفسها جزءا من قدرتها الاقتصادية ومن وزنها في عالم تتغير موازين قوته.
وهكذا نعود إلى ساكسن-أنهالت وإلى حقيبة المهاجر التي بدأ منها السؤال. فالأنظمة العالمية لا تسقط عادة بضربة واحدة؛ بل تتآكل حين تتراكم الصدمات، وتضعف المؤسسات، وتتغير التحالفات.
فإذا أغلقت أوروبا أبوابها بحثا عن حماية هويتها، فهل تكتشف لاحقا أنها أغلقت معها أحد الأبواب التي كانت تحمي مكانتها في العالم؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

