- التفاوض بالنار.. غزة بين خيام تحترق وأعراس تقام
على طاولات السياسة الباردة يُرسم مسار التفاوض بحبر باهت، بينما تُكتب الحقائق على أرض غزة بالدم والنار. فها هي المفاوضات مستمرة، بينما يشتد القصف على غزة، حيث يهاجم الاحتلال الإسرائيلي المباني والمواطنين. وليس ذلك مصادفة، فإسرائيل تتبع خطة واضحة تعتمد فيها على القوة العسكرية والضغط على الغزيين لتقوية موقفها في المفاوضات.
وفي المقابل، يقف المفاوض الفلسطيني متمسكا بمسار الوسطاء، ليس سذاجة، بل ليضع العالم أمام مرآة نفسه، مؤكدا أن معيار النجاح لم يعد في التقاط الصور التذكارية لتوقيع الاتفاقيات، بل في مدى إلزام آلة القتل الإسرائيلية بوقف خروقاتها وتنفيذ استحقاقاتها.
وفي إطار أوسع، يبدو أن إستراتيجيات الاحتلال تجاه غزة متعددة الوجوه؛ فهو يجمع، حيثما أمكن، بين الضغط العسكري المكثف وإدارة الأزمة الإنسانية بطريقة تُبقي المواطنين في حالة دائمة من انعدام الغذاء والأمن.
كما يتبع سياسة بث الأمل في نفوس أهل غزة، عبر ترويج إشاعات بأن الفرج بات قريبا، ثم ينقضها بصورة مفاجئة، بغية ترسيخ فكرة أنه لا أمل ولا إمكانية للحياة، فيختنق الناس ويسعون إلى الهروب من وطنهم بأي وسيلة متاحة.
استشهد حسن، تاركا خلفه سؤالا يصفع وجه العدالة الدولية: هل بات حب الأوطان جريمة تستوجب الإعدام؟
إبادة غزة لم تتوقف
هذا الاحتلال لم يتوقف يوما عن مسلسل التطهير العرقي، وما زال يمتشق سيف الإبادة الجماعية، وفي الوقت نفسه يكذب على العالم مدعيا أن الإبادة قد توقفت، لكن الأرقام والدماء تقول غير ذلك. فقبل أيام، وفي غضون 24 ساعة فقط، مُحي أكثر من 20 مدنيا من السجل المدني، وشطبت عائلات بأكملها من ذاكرة الحياة، بل وقُصف جنين فانتزع من رحم أمه قبل أن يرى النور.
ومن زاوية أخرى أكثر قتامة، ليس أقسى من القصف إلا أن ينام طفل في العراء وهو يعلم أن العالم كله شاهد مأساته ثم مضى.
هنا، وبعيدا عن صخب السياسة، رأيت خياما احترقت إثر قصف غادر لمنزل قريب. رأينا النيران تلتهم الفراش الرقيق، والغطاء المهترئ، وخزان المياه، وأدوات المطبخ البسيطة… إنها تلتهم كل ما يملكون.
وبجوارنا مئات العائلات وجدت نفسها فجأة تفترش الشوارع، بلا مأوى ولا سقف سوى سماء تمطر موتا. وما زالت هذه الأسر تنتظر خيمة تستر عورة العالم، وفراشا يقي أطفالها برد الخذلان.
إن الاحتلال، بلا شك، يحاول بحرقه الخيام وقصفه البيوت أن يمحو إرادة الغزيين، متناسيا أن صاحب الأرض جذوره أعمق من القصف، وعزيمته أشد من الخراب. فقد يهدم البيت، لكنه لن يهدم الحلم، وقد يحرق الخيمة، لكنه لن يحرق الانتماء.
حكاية الشهيد حسن
في خضم هذه المأساة الشاملة، تبرز الحكايات الفردية لتلخص وجع أمة. فهذا حسن، مهندس فلسطيني طموح، وحافظ متقن لكتاب الله، وروح تسير على الأرض بابتسامة لم تمحها فواجع الحرب.
ذنبه الوحيد، في عرف القانون الدولي المنحاز، أنه ولد فلسطينيا وأخلص لوطنه ودينه. استشهد حسن، تاركا خلفه سؤالا يصفع وجه العدالة الدولية: هل بات حب الأوطان جريمة تستوجب الإعدام؟
وحين ذهبت لتعزية عائلته، محاولة حبس دموعي، اصطدمت بجبال راسيات في هيئة بشر. باغتتني أم حسن بعبارة تحرق القلب وتأسره في آن واحد: "هو لم يمت، هو شهيد… أخبرتهم أن يحضروا الحلوى لأوزعها عن روحه".
في بيت العزاء هذا، تتجلى أعظم صور التكافل؛ أهال وأصدقاء يجتمعون، يصبر بعضهم بعضا، وينظر المكلوم إلى من هو أشد منه مصابا، فيحمد الله. إنها هندسة اجتماعية وروحية عجزت دبابات الاحتلال عن اختراقها.
فشلت كل محاولات كسر الإرادة؛ فلا القصف أخمد الحياة، ولا الحصار قتل الأمل، ولا سياسة "التجويع ثم التفاوض" جلبت استسلاما
غزة ترفض الاستسلام
وفي صورة أخرى من واقع غزة العجيب، وأنا في طريقي عائدة من بيت عزاء الشهيد حسن، يهوي صاروخ ويفجر مكانا قريبا، فتهرع سيارات الإسعاف بصفاراتها المعهودة..
ثم، وفي لحظة لا يستوعبها عقل عسكري ولا محلل إستراتيجي، يعود الناس إلى إكمال مسيرهم أو التسوق أو ممارسة تجارتهم. وما هي إلا لحظات حتى تمر سيارات عرس تتزين لاستقبال حياة جديدة.
هؤلاء ليسوا فاقدي الإحساس، بل أرواحهم مثخنة بالجراح، لكنهم اتخذوا قرارا سياسيا ووجوديا حاسما: الرفض المطلق للاستسلام.
إنهم يصرون على نسج ثوب الفرح من خيوط الصبر والركام. فهذا الشعب الجبار، الذي لا يتوقف عن خلق الحياة وإيجاد الحلول من قلب المصائب، شعب لا ولن يهزم.
وفي المحصلة، فشلت كل محاولات كسر الإرادة؛ فلا القصف أخمد الحياة، ولا الحصار قتل الأمل، ولا سياسة "التجويع ثم التفاوض" جلبت استسلاما.
ما يجري في غزة اليوم ليس بحثا عن اتفاق، بل اختبارا للعالم بأسره: هل ما زالت للكرامة قيمة؟
غزة أجابت: نعم.
وأجابت بدمها، وصبرها، وبعرس يقام بعد دقيقة من المأتم، وهذا وحده يكفي ليسقط كل رهاناتهم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

