اقتصاد السودان بعد الحرب.. هل تنجح إعادة الإعمار في إنقاذ البلاد؟

تصميم خاص - اقتصاد السودان بعد الحرب.. هل تنجح إعادة الإعمار في إنقاذ البلاد؟
الكاتب: تشير تجارب الدول الخارجة من النزاعات إلى أن إعادة الإعمار غالبا ما تكون أكبر محفز للنمو الاقتصادي إذا ما أحسن استغلالها (الجزيرة)
  • السودان بين اقتصاد الحرب وحرب الاقتصاد

لأكثر من ثلاثة أعوام، يعيش السودان واحدة من أكثر الحروب تدميرا في تاريخه الحديث، حرب لم تقتصر آثارها على الجانب الإنساني والعسكري فحسب، بل امتدت لتصيب قلب الاقتصاد السوداني بالشلل.

فقد تعرضت البنية التحتية للتدمير، وتوقفت آلاف المنشآت الاقتصادية عن العمل، وتعطلت سلاسل الإنتاج والتوزيع، وانكمش النشاط التجاري والاستثماري بصورة غير مسبوقة. ومع استعادة الجيش للخرطوم، برز سؤال أكثر تعقيدا من سؤال الحرب نفسها: كيف يمكن الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التعافي وإعادة البناء؟

تكمن المشكلة في أن السودان لا يواجه تحديا واحدا، بل يقف عند تقاطع أزمتين متداخلتين؛ الأولى هي "اقتصاد الحرب" الذي أفرزته سنوات الصراع، والثانية هي "حرب الاقتصاد" التي تفرضها المتغيرات الإقليمية والدولية، وما يصاحبها من اضطرابات في التجارة العالمية وأسواق المال والطاقة. وبين هذين التحديين، تبدو مهمة إعادة الإعمار أكثر تعقيدا من مجرد توفير التمويل اللازم لها.

لقد غيرت الحرب طبيعة الاقتصاد السوداني بصورة كبيرة. ففي أوقات الحروب، تتحول الموارد الاقتصادية من الإنتاج إلى البقاء، ومن الاستثمار إلى الإنفاق الطارئ، ومن التخطيط طويل الأجل إلى إدارة الأزمات اليومية. وينشأ ما يعرف باقتصاد الحرب، الذي يعتمد على إعادة توجيه الموارد المحدودة لتلبية الاحتياجات الأساسية للدولة والمواطنين، وهو اقتصاد لا يستطيع تحقيق معدلات نمو حقيقية، بل يركز على الحد من الخسائر وإدارة الندرة الاقتصادية.

في ظل هذه التحديات الداخلية، تأتي التطورات الجيوسياسية لتضيف ضغوطا جديدة على الاقتصاد السوداني

أما بعد انتهاء العمليات العسكرية، فإن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية التحول إلى اقتصاد السلام. وهذه المرحلة تحتاج إلى أكثر من مجرد إعادة بناء المباني والطرق والجسور، فهي تتطلب إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية ذاتها، وإحياء القطاع الخاص، واستعادة الثقة في النظام المالي والمصرفي، وتوفير بيئة قانونية واستثمارية مستقرة قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

إعلان

وتشير تجارب الدول الخارجة من النزاعات إلى أن إعادة الإعمار غالبا ما تكون أكبر محفز للنمو الاقتصادي إذا ما أحسن استغلالها. فالإنفاق على البنية التحتية يخلق فرص عمل جديدة، ويحفز الطلب على المواد الخام والخدمات، كما يؤدي إلى تنشيط قطاعات الصناعة والنقل والتشييد والاتصالات. غير أن ذلك يظل مشروطا بوجود رؤية اقتصادية واضحة تمنع تحول إعادة الإعمار إلى مجرد زيادة في الإنفاق الحكومي غير المنتج.

ومن أكبر التحديات التي تواجه السودان في هذه المرحلة كيفية تمويل عملية إعادة الإعمار. فالاعتماد على طباعة النقود دون وجود زيادة حقيقية في الإنتاج لن يؤدي إلا إلى تعميق معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للمواطنين، كما أن الاعتماد الكلي على الاقتراض الخارجي يحمل مخاطر زيادة أعباء الديون مستقبلا.

ولذلك، فإن التمويل الذكي لإعادة الإعمار يجب أن يقوم على مزيج من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإعادة تنشيط القطاع المصرفي، وتوجيه الموارد المحلية نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية.

وفي ظل هذه التحديات الداخلية، تأتي التطورات الجيوسياسية لتضيف ضغوطا جديدة على الاقتصاد السوداني. فالتوترات الدولية والصراعات الإقليمية، بما فيها المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وما يترتب عليها من اضطرابات في أسواق النفط والطاقة وطرق الملاحة الدولية، تؤثر بصورة مباشرة على الاقتصادات الهشة. فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري يؤدي إلى زيادة تكلفة الواردات السودانية، كما أن أي تباطؤ في التجارة العالمية ينعكس سلبا على حركة الصادرات، الأمر الذي يفرض أعباء إضافية على جهود التعافي الاقتصادي.

كما أن استقرار سعر الصرف سيظل أحد أهم التحديات خلال المرحلة المقبلة. فإعادة الإعمار تتطلب زيادة كبيرة في الواردات من المعدات والآليات ومواد البناء، وهو ما يعني زيادة الطلب على العملات الأجنبية. وإذا لم يقابل ذلك زيادة حقيقية في الصادرات وتدفقات الاستثمار والتحويلات المالية، فقد يتعرض الجنيه السوداني لضغوط إضافية تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.

إن أكبر خطر يواجه السودان اليوم ليس نقص الموارد فحسب، وإنما غياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل

ومن هنا يصبح الحديث عن إعادة الإعمار حديثا عن الإنتاج قبل أن يكون حديثا عن التمويل. فالسودان يمتلك مقومات اقتصادية كبيرة في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والخدمات اللوجيستية، إلا أن المشكلة التاريخية لم تكن في ندرة الموارد بقدر ما كانت في ضعف استغلالها وإدارتها.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة يجب ألا تكرر أخطاء الماضي القائمة على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية، بل ينبغي أن تتجه نحو بناء اقتصاد إنتاجي قائم على التصنيع الزراعي، والصناعات التحويلية، وتطوير سلاسل القيمة المحلية.

إن أكبر خطر يواجه السودان اليوم ليس نقص الموارد فحسب، وإنما غياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل. فالحرب قد تنتهي بتوقيع اتفاق أو بحسم عسكري، لكن آثارها الاقتصادية قد تمتد لعقود إذا لم يصاحبها مشروع وطني للإصلاح الاقتصادي. ولذلك، فإن إعادة الإعمار يجب أن تكون مشروعا لإعادة بناء الاقتصاد السوداني نفسه، وليس مجرد مشروع لإعادة بناء ما دمرته الحرب.

إعلان

ويقف السودان اليوم بين اقتصاد الحرب وحرب الاقتصاد. فالأول خلف دمارا يحتاج إلى موارد هائلة لإصلاحه، والثاني يفرض تحديات خارجية لا تقل خطورة عن آثار الحرب ذاتها. غير أن الأزمات الكبرى كثيرا ما تحمل في طياتها فرصا استثنائية، وما يملكه السودان من موارد طبيعية وبشرية يؤهله لتحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى نقطة انطلاق جديدة إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية السليمة.

أي اقتصاد نريد أن نبنيه بعد الحرب؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت إعادة الإعمار بداية نهضة اقتصادية جديدة، أم مجرد محطة أخرى في دورة الأزمات التي عرفها السودان لعقود طويلة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان