- حزب العدالة والتنمية.. ربع قرن من إدارة التناقضات
تمر بعد أيام الذكرى الخامسة والعشرون لانطلاق واحد من أهم الأحزاب السياسية في العالم، من وجهة نظري. فلم تكن لحظة بزوغ القرن الجديد في تركيا مجرد انعطافة انتخابية عابرة، بل كانت انفجارا هادئا تراكمت أسبابه تحت ركام أزمات اقتصادية طاحنة، وشلل خدمي أصاب البنية التحتية للدولة بالجمود، في ظل صراعات حزبية وانقلابات عسكرية سحبت البلاد إلى قاع المنحدر الحضاري.
وقف المواطن التركي حينها أمام مشاهد الإفلاس المصرفي وتهاوي العملة، تاركا النخب التقليدية تجر أذيال الفشل، بعدما حاربت أول تجربة وطنية نهضوية حقيقية. وفي هذه اللحظة الاستثنائية، برز حزب العدالة والتنمية بوصفه بديلا يستند مؤسسوه إلى تجربة خدمية وجذور شعبية، فاستطاع أن يحول حالة السخط العميق إلى رافعة سياسية مكنته من حسم انتخابات عام 2002 بعد أشهر قليلة من تأسيسه.
لم يقدم الحزب نفسه في بداياته بوصفه حركة أيديولوجية وريثة للتيار الذي خرج منه، بل اعتمد إستراتيجية امتصاص الحساسيات التاريخية لتجنب الصدام في دولة طالما عانت التجاذبات العرقية والقومية، واستغلها الجيش لفرض سيطرته على مقدرات البلاد السياسية، ثم فرض وصاية لم تجلب إلا الخراب، كما هو الحال في كل دولة حكمها العسكر أو فرضوا عليها وصايتهم.
سعى حزب العدالة والتنمية إلى إعادة تشكيل المشهد، بانيا فكرته على مبدأ "المواطنة الجامعة" وتنمية الولايات التي أهملت عقودا طويلة. ونجحت هذه المقاربة، في نهاية المطاف، في بناء الجسور مع شريحة واسعة من المكون الكردي، إلى جانب التنوعات العرقية الأخرى، متجاوزا خطوط التماس التقليدية. فقد أدركت قيادة الحزب أن تقديم الخدمات التنموية الشاملة كفيل بلجم الاستقطاب، وتفويت الفرصة على من يترقب لفرض الوصاية، وبالتالي تشييد حاضنة انتخابية تتجاوز الهويات الفرعية.
أدرك الحزب أن البقاء في السلطة يتطلب التحالف مع مراكز القوة الصلبة، ومن هنا جاء التقارب التدريجي، ثم التحالف العضوي مع التيار القومي، ممثلا في حزب الحركة القومية
استطاع قادة حزب العدالة والتنمية، المتخرجون من مدرسة الرفاه، استقطاب فئة طالما عاشت على هامش الجمهورية التركية منذ ولادتها، وجعلوا من إدماج المهمشين في قلب المعادلة الانتخابية عاملا مؤثرا فيها. فقد عاشت الفئات المحافظة والمتدينة، على مدى عقود، على هامش الحياة العامة، ولا سيما الحياة السياسية منذ إعلان الجمهورية، وكانت تشعر بالعزلة من ناحية، والضغط المؤسسي من ناحية أخرى.
التقط قادة الحزب هذه الرغبة، ورووا عطش هذه الفئة التاريخي إلى التمثيل السياسي، فأصبحوا بالنسبة إليها حلم المنقذ والبطل في معركة علمت مسبقا، وبالتجربة، أنها كانت دائما خاسرة. وهكذا تحولوا إلى ظهير جماهيري صلب، ونواة متماسكة للمشروع الحزبي.
ولم يكن الأمر مجرد استثمار في المشاعر الدينية، بل إعادة تعبئة لطبقة وسطى محافظة تعرف بـ"أناضولية الطموح". فكان الحزب بمثابة حصان طروادة الذي اقتحموا به حصن علمانية الدولة، وهزموا حراسها من العسكر، وملؤوا الفضاء العام في المجالات الاقتصادية والتعليمية والإعلامية، ما منح النظام السياسي الجديد شريانا حيويا يصعب كسره.
أدرك الحزب أن البقاء في السلطة يتطلب التحالف مع مراكز القوة الصلبة، ومن هنا جاء التقارب التدريجي، ثم التحالف العضوي مع التيار القومي، ممثلا في حزب الحركة القومية.
ولم يكن هذا التحالف مجرد مناورة تكتيكية، بل تحولا إستراتيجيا، إذ استطاع الحزب، من خلال هذا التناغم، تثبيت ركائزه في مفاصل الدولة الأمنية والدفاعية، وإضفاء صبغة سيادية على سياسته الخارجية، مما وفر له الحماية أمام الهزات السياسية، لا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016. وبذلك أعاد تعريف الهوية الوطنية في قالب يجمع بين الأصالة العثمانية والروح القومية التركية.
إن تجربة ربع قرن من حكم حزب العدالة والتنمية لدولة شديدة التعقيد، داخليا وخارجيا، وفي مرحلة اتسمت بدرجة عالية من التعقيد، لا يكمن سرها في الثبات على الأيديولوجيا، بل في القدرة الفائقة على إدارة المتناقضات
وفي مساحة أعمق وأكثر تعقيدا، ومع تغير الخرائط الجيوسياسية وتحول التحديات الأمنية والإقليمية، أبدى الحزب براعة في توظيف السياق العالمي المتغير عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، إذ قدم نفسه للغرب بوصفه نموذجا للديمقراطية الإسلامية المعتدلة، وشريكا موثوقا في حلف شمال الأطلسي.
كما استغل مسار المفاوضات الخاصة بعضوية الاتحاد الأوروبي لتقليم أظافر الحرس القديم في الداخل، وإصلاح المنظومة القضائية والدستورية، فتحولت المعايير الأوروبية إلى أداة شرعية لتمرير أهدافه وتعزيز بقائه.
وقد وفر هذا الغطاء الغربي هامش حركة إستراتيجيا مكن الحزب من إعادة هيكلة المشهد الداخلي بحرية أكبر، من دون مواجهة جبهة خارجية معادية.
كما استفاد من ذلك على المستوى الاقتصادي، مستغلا حالة الفراغ الاقتصادي والتراجع الاستثماري في مرحلة ما بعد الانهيار الائتماني عام 2001، فاعتمد الانضباط المالي بالتعاون مع المؤسسات الدولية، بالتوازي مع فتح الباب على مصراعيه أمام رؤوس الأموال الأجنبية، أو ما يعرف بالأموال الساخنة.
وأدى ذلك إلى طفرة اقتصادية كان المجتمع في أمس الحاجة إليها، انعكست على ارتفاع مستوى دخل الفرد، ومنحت الحزب شرعية جديدة، إلى جانب شرعية صندوق الاقتراع، هي شرعية الإنجاز.
إن تجربة ربع قرن من حكم حزب العدالة والتنمية لدولة شديدة التعقيد، داخليا وخارجيا، وفي مرحلة اتسمت بدرجة عالية من التعقيد، لا يكمن سرها في الثبات على الأيديولوجيا، بل في القدرة الفائقة على إدارة المتناقضات، والتنقل بين البراغماتية التنموية، والانضباط الفكري، وثبات المنطلقات، ووضوح الرؤية. ويبقى التحدي شاخصا أمام الأجيال الجديدة في الحزب، التي بدأت تتقلد المناصب، في مدى قدرتها على ممارسة الهندسة السياسية التي خطها المؤسسون، وأدار دفتها رجب طيب أردوغان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

