هل يحل الذكاء الاصطناعي محل المرشد النفسي؟

تصميم خاص - مدونات الذكاء الاصطناعي والصحة النفسية: كيف وُلد الطبيب الآلي من رحم الحرب؟ من قلب الحرب في السودان، تولد فكرة «الطبيب الآلي النفسي» كمحاولة لمنح الأمل وعلاج الألم النفسي. تدوينة تروي كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُنصت للإنسان في زمن المعاناة..
الكاتبة: مهما بلغ استخدام الذكاء الاصطناعي فلن يحقق الأثر نفسه الذي يحققه الإرشاد الواقعي مع المرشد النفسي والأسري (الجزيرة)
  • الذكاء الاصطناعي كمرشد نفسي

يعد هذا الموضوع من أكثر الموضوعات التي ترددت في الكتابة عنها، لا لعدم أهميته أو للخوف من التعمق فيه، بل لحساسيته وتشعبه. لكن من واجبنا، كاختصاصيين في مجال الإرشاد النفسي والأسري، تناول هذه القضايا المهمة التي تؤثر في الدور الأساسي للمرشد النفسي والأسري، ومدى قدرته على تقديم خدماته الإرشادية للمسترشدين، في ظل الهيمنة المتزايدة للذكاء الاصطناعي وأدواته المختلفة، التي يلجأ إليها كثيرون لطلب الرأي والاستشارة، وربما للتنفيس الانفعالي اليومي بطرق متعددة.

من خلال عملي الذي امتد لسنوات في مجال الإرشاد النفسي والأسري، كان من أكثر المشاهد قيمة وتفردا عقد الجلسات النفسية والبرامج الإرشادية وجها لوجه مع المسترشدين من مختلف الأعمار والخلفيات، مع توظيف العديد من المهارات الإرشادية التي تطبق بدقة مع كل مسترشد بحسب طبيعة مشكلته.

ولا شك أن التفاعل المباشر مع المسترشد، ومراقبة تعبيراته الانفعالية، وحركات جسده، ونبرة صوته، تمثل في مجموعها لوحة متكاملة تعين المرشد على تقييم حالته النفسية، وتحديد الأسلوب الأمثل للتفاعل خلال العملية الإرشادية.

وإضافة إلى مهاراته الشخصية وأصالته المهنية، يوظف المرشد خلال الجلسات مهارات إرشادية تساعد المسترشد على التفريغ الانفعالي بأريحية واطمئنان، مثل مهارة التواصل، والاستماع الفعال، واللطف، والتقبل، وغيرها من المهارات التي تتطلب تواصلا إنسانيا مباشرا ونشطا، وتعتمد على منظومة علمية دقيقة تقوم على المراقبة المستمرة للجوانب النفسية والجسدية والسلوكية للمسترشد.

لا شك أننا لا نستطيع التقليل من قدرات الذكاء الاصطناعي في التعامل مع مختلف المواقف، فهو اليوم أداة مهمة لدعم المعرفة، والقيام بالعديد من المهام الفاعلة في شتى المجالات، لكن هذا لا يعني أن يحل بصورة كاملة محل المرشد النفسي والأسري

ومع تطور الزمن، وهيمنة الإرشاد التقليدي لفترة طويلة، وما يتطلبه من حضور المسترشد والتزامه بالجلسات في القطاعين العام والخاص، ظهر الذكاء الاصطناعي بأنواعه المختلفة، محدثا تحولا كبيرا في توجه الناس نحو طلب المساندة النفسية. فبدلا من لجوء كثير من الأشخاص الذين يواجهون مشكلات حياتية مختلفة إلى المرشد النفسي المختص، استعانوا بالذكاء الاصطناعي، وجعلوه بديلا ومرشدا لمشكلاتهم النفسية والأسرية.

إعلان

وربما شجع على ذلك سهولة الوصول إليه، وانخفاض التكلفة، وإتاحة التفاعل المستمر دون توقف، بغض النظر عن مدى ملاءمة المعلومات المقدمة لحالة المسترشد وشكواه. وقد يكون تجنب مشاعر القلق أو الخوف من مواجهة المرشد، أو تعقيد المشكلة وشدتها، من الأسباب التي دفعت كثيرا من الناس إلى اعتباره بديلا ورفيقا أمينا وفعالا لحل مشكلاتهم دون ضغط نفسي أو مواجهة مباشرة.

ولا شك أننا لا نستطيع التقليل من قدرات الذكاء الاصطناعي في التعامل مع مختلف المواقف، فهو اليوم أداة مهمة لدعم المعرفة، والقيام بالعديد من المهام الفاعلة في شتى المجالات، لكن هذا لا يعني أن يحل بصورة كاملة محل المرشد النفسي والأسري.

ومن خلال خبرتنا في مقابلة المسترشدين، نرى أنه مهما بلغ استخدام الذكاء الاصطناعي، فلن يحقق الأثر نفسه الذي يحققه الإرشاد الواقعي مع المرشد النفسي والأسري، لأن العملية الإرشادية تقوم على خطوات علمية دقيقة، سواء في محتوى الجلسات أو تطبيقها، وتبتعد عن الطرح العام، وتراعي طبيعة مشكلة كل مسترشد على حدة، وترتكز على التواصل الإنساني المباشر الذي يفتقر إليه التواصل مع الذكاء الاصطناعي، فضلا عن اعتمادها على مهارات إرشادية عميقة تتطلب حضورا فعليا، لا تواصلا عبر شاشة صامتة.

لا تعد الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات أمرا معيبا، لكن يبقى الهدف الأسمى هو المحافظة على خصوصية المهن المتخصصة وجودتها، وعلى الخدمات الإنسانية المباشرة التي تقدمها

وهنا أستحضر مثالا واقعيا يؤكد أهمية التواصل المباشر مع المسترشدين. فحتى خلال جائحة كورونا عام 2020، كنت أتواصل مع المسترشدين هاتفيا، مستخدمة مهارات أساسية، مثل الاستماع الفعال، وتحري المشاعر من خلال نبرة الصوت، والفهم المتعمق للأفكار. ورغم أن ذلك كان تحديا كبيرا، فإنه، في رأيي، ظل أكثر واقعية وإنسانية من التواصل مع الذكاء الاصطناعي، لأنه حافظ على جوهر العلاقة الإرشادية.

وأعتقد أنه من واجبنا، كمرشدين ومختصين، نشر الوعي بأهمية القيمة الحقيقية وعمق العلاقة الإنسانية التي يوفرها الإرشاد النفسي المتخصص المباشر، والقائم على المقابلة وجها لوجه بين المرشد والمسترشد. فمهما بلغت قدرات الذكاء الاصطناعي، فإنه لن يعوض وجود مرشد متمكن يدير العملية الإرشادية من خلال برنامج نفسي متكامل يصمم خصوصا لكل مسترشد، ويعتمد على التطبيق والتفاعل المباشر، بما يحقق نتائج واقعية وملموسة.

ولا تعد الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات أمرا معيبا، لكن يبقى الهدف الأسمى هو المحافظة على خصوصية المهن المتخصصة وجودتها، وعلى الخدمات الإنسانية المباشرة التي تقدمها، حتى لا تفقد قيمتها، ولا يتراجع وعي الناس بأهميتها مع مرور الوقت، فيصبح الإرشاد النفسي في مرتبة تالية بعد هيمنة الذكاء الاصطناعي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان