- الهوية المغربية.. هل يصنعها العرق أم التاريخ؟
هوية بلاد المغرب والمغاربة، الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، والمتطلعة أنظارها نحو أفق المستقبل، لا يمكن اختزالها في عنصر أو عرق دون آخر، وليست ملكية حصرية يحتكرها هذا الطرف دون ذاك، وليست جمادا أصم لا يتغير ولا يتطور، بل هي كائن حي يتخلق فيه الجميع خلقا آخر، بعد خلق لا ثابت فيه سوى روح ذلك الإنسان الحي الذي هو نحن جميعا.
التاريخ المغربي أوسع من أن يختزل في عرق واحد، فنحن جميعا ننحدر من أعراق شتى، تختلف في أصولها ودمائها وألوانها، وما اصطحبته معها من ثقافات
وحتى نتمثل هويتنا بشكل أصح، نقترح الإشارات التالية علامات في الطريق:
كلنا "أصليون"
لا يحق لأحد منا أن يدعي أنه الأصلي على وجه هذه الأرض، وأنه أول من سكنها ولم يسبقه إليها أحد. فأدلة التاريخ القديم تشير إلى أن بلاد المغرب وفد إليها أقوام، تباعا، من أعراق مختلفة، طبقة فوق طبقة، وحضارة بعد أخرى. واستمر التوافد من كل حدب وصوب، طلبا أو هربا، ولكل بغيته.
والذين يدعون أنهم وحدهم السكان الأصليون يتجاهلون أن غيرهم سبقهم إليها، وأنهم مجرد طبقة استيطانية وافدة جاءت فوق طبقة أقدم، لكنها لم تمحها. فقد وفد مهاجرون، فرادى وجماعات، من أفريقيا وآسيا وأوروبا، دون انقطاع عبر التاريخ. وإذا كانت الهجرات الصاخبة قد وثقها التاريخ، فإن هناك هجرات أخرى صامتة لم تحظ بالتوثيق.
ليس لأحد أن يدعي الأصالة لنفسه دون الآخرين، ويكتسب من ذلك حقا مقدسا يحتكره. فكل سابق سبقه آخرون، والعنصر الذي ينعت غيره بالوافد الدخيل، هو نفسه وافد دخيل في نظر من سبقه.
الأصالة، بهذا المعنى، وهم كبير، والجميع مجرد وافدين في لحظة ما من تاريخ هذه الأرض. وإن كانت هناك أصالة يمكن أن ندعيها، فهي الأصالة التي تستمد شرعيتها من عيشنا المشترك.
فكلنا، إذن، "وافدون"… وكلنا "أصليون".
وكلنا "عرق واحد"
التاريخ المغربي أوسع من أن يختزل في عرق واحد، فنحن جميعا ننحدر من أعراق شتى، تختلف في أصولها ودمائها وألوانها، وما اصطحبته معها من ثقافات. غير أن الزمن والأرض فعلا فعلهما فينا، شئنا أم أبينا، فتخلقنا جميعا خلقا آخر، كأنه عرق جديد نطلق عليه اسم "المغاربة".
ومن الوهم أن يدعي أحد أنه يمثل العرق الوحيد، أو يحاول فرض رؤية أحادية على مجتمع متعدد الروافد.
فالحقيقة التاريخية والجغرافية تقول إن المغرب أفريقي في أصله البعيد جدا، ثم إسلامي/مغربي في صيرورته وامتداده الحضاريين، وكل ما يقع بينهما مجرد مكون ضمن مكونات أخرى تشكل ذلك المزيج الحيوي. لذلك، ليس لأحد أن يدعي لنفسه الملكية الحصرية للحق في هذه الأرض، أو يحتكر مفاتيح هويتها ومستقبلها.
بدل النبش في القبور بحثا عن "الشرعية التاريخية"، واستدعاء الانتماءات القبلية والعرقية، فإننا مطالبون بالتركيز على بناء حاضرنا، في إطار عقد اجتماعي يصهر الجميع في بوتقة المجتمع المغربي والدولة المغربية
والهوية نصنعها
هويتنا ليست قدرا حتميا، بل هي منتوج نصنعه بأيدينا. وليست جمادا أصم ثابتا لم تتبدل معالمه منذ آلاف السنين، بل هي كائن حي، مركب ومتجدد، يتخلق يوما بعد يوم في تطور مستمر.
ومن العبث أن نحصر هويتنا في عرق، أو نستدعي تحاليل الأحماض النووية لإثبات "أحقية تاريخية" يدعيها طرف لنفسه، لأن ذلك يعيدنا إلى عقلية قبلية لا ترى إلا "الأصول" و "الجينات"، في صدى مزعج لأنظمة بائدة قامت على خرافات "مركزية الرجل الأبيض"، و"النقاء العرقي"، و"الاستعلاء العرقي" على غيرها من الأعراق. إنها هويات جاهلية تنظر بعين "الأرض والدم"، بدل "الواقع ومشروع المستقبل المشترك".
وبدل النبش في القبور بحثا عن "الشرعية التاريخية"، واستدعاء الانتماءات القبلية والعرقية، فإننا مطالبون بالتركيز على بناء حاضرنا، في إطار عقد اجتماعي يصهر الجميع في بوتقة المجتمع المغربي والدولة المغربية، والتطلع إلى بناء المستقبل المشترك.
فهويتنا هي ما نصنعه ونبنيه يوميا، وليست مجرد ما ورثناه، صدفة، من عهود سحيقة.
بوصلة المصلحة المشتركة تجمعنا وتوجهنا
نحن مغاربة لأننا نتشارك تاريخا، وواقعا، ومصيرا واحدا، وليس لأننا ننحدر من جد واحد مفترض. وما يجمعنا على هذه الأرض هو المصلحة المشتركة، وأينما كانت المصلحة الحقة، فهناك ينبغي أن تتجه أنظارنا وهممنا.
كلنا وافدون، فلا فضل لوافد على وافد، ولا لثقافة على أخرى، ولا للغة على أخرى، إلا بما يتحقق من وراء ذلك كله من مصلحة مشتركة حقيقية.
وأحسب أن أجدادنا المغاربة أحسنوا التقدير في تحديد تلك المصلحة، واتخذوا الاختيارات المناسبة، وهي اختيارات تحظى بإجماع لا يشذ عنه إلا القليل. ومن هنا تولدت الثوابت الوطنية التي يعلمها الجميع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
