حين يصبح أقرب الناس سبب فتنتك.. كيف أرشدنا القرآن؟

الكاتب: التجربة الاجتماعية تعلمنا أن بعض الفتن لا تأتي من باب الخصومة الصريحة بل قد تتسلل من أبواب العاطفة المفتوحة (شترستوك)
  • حين تأتي الفتنة من موضع الأمان

يظن الإنسان غالبا أن الخطر لا يأتيه إلا من جهة العدو الظاهر، وأن موضع الأمان المطلق هو الدائرة الضيقة من الأهل والقرابة والمحبة. غير أن التجربة الاجتماعية تعلمنا أن بعض الفتن لا تأتي من باب الخصومة الصريحة، بل قد تتسلل من أبواب العاطفة المفتوحة؛ فلا تلبس ثوب العداوة المعلنة، بل تتستر أحيانا بدثار الخوف والشفقة والحرص الزائد.

فقد يكون أقرب الناس إلى المرء، من زوج أو ولد، سببا في تعطيل مسيرته نحو الخير والرشد، لا لأنه يحمل له البغض أو المكر، بل لأنه يقف عند حدود إدراكه، أو لا يحتمل تبعات قراره، أو يغلبه التعلق الشديد حتى يضعف عزيمة من يحب، ويصده عما فيه صلاحه.

وقد روي عن ابن عباس أن رجالا من أهل مكة أسلموا، وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ، أي: أن يهاجروا إليه ويلحقوا بجماعة المؤمنين، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، أي: منعوهم أو ثبطوهم عن الخروج. فلما أتوا النبي ﷺ بعد مدة، وجاء معهم أزواجهم وأولادهم، ورأوا أن الناس قد سبقوهم إلى التفقه في الدين وتعلم أحكامه بسبب تأخرهم عن الهجرة، هموا أن يعاقبوا أهلهم على ما تسببوا لهم من فوات السبق في الفقه والقرب من مجلس النبي ﷺ، فنزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم﴾، إلى قوله: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾. فهذا السبب يكشف أن الآية تحذر المؤمن من تأثير أهله إذا صدوه عن الخير، ثم تهذب نفسه فلا يتحول هذا الحذر إلى قسوة أو انتقام.

وروي أيضا عن عطاء بن يسار وابن عباس أن هذه الآية نزلت بالمدينة في شأن عوف بن مالك الأشجعي، وكان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، أي: استعطفوه وأثاروا رقة قلبه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقعد عن الغزو، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فنزلت الآية في شأنهم. وهذا يوضح أن العداوة المذكورة في الآية ليست دائما عداوة بغض وقصد إضرار، بل قد تكون عداوة من جهة الأثر؛ فالزوج أو الولد قد يحب المؤمن، ولكنه ببكائه وترقيقه وتخويفه يثبطه عن طاعة أو فضيلة، فيكون كالعدو في النتيجة، وإن لم يكن عدوا في النية.

من بديع الصياغة القرآنية أن الآية جاءت بحرف التبعيض: ﴿من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم﴾، ولم تأت على شكل حكم عام يجعل الأزواج والأولاد موضع ريبة واتهام

ويبين ابن عاشور أن هذه الآية أيقظت المؤمنين ونبهتهم إلى أمر دقيق قد يغفلون عنه، وهو ألا يغرهم أهل قرابتهم، أي: ألا يحملهم القرب والزوجية والأبوة والبنوة على الاطمئنان المطلق إلى كل ما يصدر من بعض أزواجهم وأولادهم. فربما جاء الضرر من جانب يتوهم منه النصح والمحبة، وربما كان تأثير القريب أشد على الإنسان من تأثير البعيد؛ لأن القريب أدخل إلى القلب، وأقدر على استمالة النفس، وأعرف بمواضع الضعف. فإذا صد الزوج أو الولد المؤمن عن طاعة، أو ثبطه عن خير، أو حمله على ترك ما ينبغي له في دينه ودنياه، كان ضرره أشد عليه من ضرر غيره؛ لأنه يأتي من دائرة الثقة والأمان.

إعلان

ومن دقة التعبير أن الله تعالى قال: ﴿فاحذروهم﴾، ولم يأمر بأن تضروهم؛ فالآية لم تقل: عاقبوهم، أو آذوهم، أو اقطعوهم، وإنما قالت: ﴿فاحذروهم﴾. والحذر معناه التنبه وأخذ الحيطة، لا العدوان ولا الإضرار. وهذا المعنى مهم جدا في العلاقات الأسرية؛ فالمقصود ليس أن يتحول البيت إلى ساحة اتهام، ولا أن يعامل الإنسان زوجه أو ولده معاملة الخصم، بل المقصود أن يبقى واعيا، فيحب أهله من غير أن يفقد بصيرته، ويسمع نصحهم من غير أن يسمح لعاطفتهم أن تصده عن الخير.

ومن بديع الصياغة القرآنية أن الآية جاءت بحرف التبعيض: ﴿من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم﴾، ولم تأت على شكل حكم عام يجعل الأزواج والأولاد موضع ريبة واتهام. فـ"من" هنا ميزان دقيق يمنع التعميم، ويبقي للأسرة أصل مكانتها من السكن والمودة والرحمة، ولكنه في الوقت نفسه يوقظ الإنسان إلى أن بعض العلاقات القريبة قد تكون سببا في التثبيط أو التعطيل، لا لأنها تحمل البغض، بل لأنها تحب بغير بصيرة، أو تنصح بغير علم، أو تدفع صاحبها إلى قرار لا يناسبه باسم الحرص والخوف عليه.

وهنا يظهر الفرق بين "عداوة النية" و"عداوة الأثر"؛ فقد تكون النية حسنة، ولكن الأثر سيئا. فالأب أو الأم قد يدفعان ابنهما إلى تخصص علمي لا يميل إليه، ولا يملك أدوات النجاح فيه، رغبة في مكانة اجتماعية أو وظيفة مضمونة، فينقلب هذا الحرص إلى ضغط نفسي وتعثر دراسي وخيبة طويلة. وقد تدفع الأسرة ابنها أو ابنتها إلى زواج لم يكتمل له الاستعداد النفسي أو المادي أو الأخلاقي، ظنا منها أنها تصنع له الاستقرار، فإذا بالقرار العاجل يفتح بابا من الاضطراب والخلاف والندم. وقد تدفعه إلى مهنة لا تناسب قدرته، أو إلى دَين لا يطيقه، أو إلى مجاراة الناس في مظاهرهم، وكل ذلك قد يبدأ من باب النصح والحب، ثم ينتهي إلى خيبات يحملها الأبناء طويلا.

وقد يقع هذا المعنى بين الأزواج أيضا؛ فليس كل تأثير زوجي نصحا صحيحا، وليس كل ما يقال باسم المحبة يكون في حقيقته معينا على الخير. فقد يثني الزوج زوجته عن علم نافع، أو عمل صالح، أو تطور مباح يقوي شخصيتها، لا كرها لها، ولكن خوفا من تغيرها، أو رغبة في بقائها على صورة اعتادها. وقد تدفع الزوجة زوجها إلى إنفاق لا يطيقه، أو دَين لا يحتمله، أو قرار عملي متسرع، بدافع المقارنة أو الرغبة في مجاراة الناس، فيكون أثر ذلك تعبا وضيقا، وإن كان ظاهره حرصا على مصلحة البيت. وقد يضغط أحد الزوجين على الآخر ليترك صلة رحم، أو يقطع عملا نافعا، أو يتخلى عن مسار صالح، لا لسبب شرعي أو عقلي، بل لغيرة أو خوف أو سوء تقدير.

فالعبرة إذن ليست بمجرد النية، بل بالأثر الذي تتركه هذه النية في حياة الإنسان. ومن هنا جاء التوجيه الإلهي: ﴿فاحذروهم﴾؛ أي: كونوا على وعي بمواضع التأثير، ولا تسلموا قراراتكم المصيرية للعاطفة وحدها. فالحذر هنا لا يعني القطيعة، ولا القسوة، ولا تحويل البيت إلى مكان للشك، وإنما يعني أن يحب الإنسان أهله مع بقاء بصيرته، وأن يسمع نصحهم من غير أن يفقد حقه في التروي والاستخارة والمشاورة وتقدير ما يناسبه. فالحب لا يلغي التفكير، والنصح لا يبيح السيطرة، والخوف على الإنسان لا يجوز أن يتحول إلى حجر على قراره ومسيرته.

حاجتنا اليوم إلى هذا الميزان كبيرة؛ فكثير من البيوت لا تفسدها الكراهية، بل يفسدها الحب غير الرشيد، والنصح غير المبصر، والحرص الذي لا يسأل: هل هذا القرار يناسب هذا الشخص؟

ثم أعقب الله هذا التحذير بقوله: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾، فجمعت الآية بين الحذر والمسالمة؛ أي: بين أن يكون المؤمن يقظا لا يخدع ولا يفتن، وبين أن يبقى رحيما عفوا لا يعامل أهله معاملة الأعداء. فالمؤمن لا يطالب بأن يكون غافلا عن أثر أهله عليه، ولكنه لا يطالب أيضا بأن يحول خطأهم إلى معركة دائمة.

إعلان

وهنا تظهر دقة الترتيب في قوله تعالى: ﴿تعفوا وتصفحوا وتغفروا﴾؛ فالعفو هو ترك المعاقبة على الذنب بعد الاستعداد لها، ولو كان مع ذلك توبيخ وعتاب؛ فقد يترك المرء عقوبة من أساء إليه، ولكنه يعاتبه أو يوبخه، فهذا عفو. وأما الصفح فهو أرقى من ذلك؛ لأنه الإعراض عن المذنب، أي: ترك عقابه على ذنبه من غير توبيخ ولا مؤاخذة، كأنه طوى صفحة الذنب ولم يقف عندها.

وأما الغفر فهو ستر الذنب وعدم إشاعته؛ أي: ألا يعاقب، ولا يوبخ، ولا يفضح، بل يستر ما وقع، ولا يجعله حاضرا في المجالس أو في الخصومات القادمة. وبهذا ترقى الآية بالمؤمن درجة بعد درجة: من ترك العقوبة، إلى ترك التثريب، إلى ستر الخطأ، حتى يبقى الحذر وعيا لا قسوة، وتبقى الرحمة عفوا لا غفلة.

وهذا هو الحزم الذي تربي عليه الآية؛ فالحزم ليس قسوة، كما أن العفو ليس غفلة. الحزم أن يحذر الإنسان موضع الضرر، مع بقاء العدل والرحمة وحسن المعاملة. والعفو أن يتجاوز عن خطأ أهله دون أن يسلم لهم قيادة قراره مرة أخرى. والصفح ألا يديم العتاب، مع أن يتعلم من التجربة. والمغفرة أن يستر الخطأ، لا أن يكرر الظروف التي صنعته. فهذا التوازن هو الذي يحمي البيت من طرفين متقابلين: طرف الغفلة التي تجعل الحب سيطرة، وطرف القسوة التي تجعل الحذر قطيعة.

وحاجتنا اليوم إلى هذا الميزان كبيرة؛ فكثير من البيوت لا تفسدها الكراهية، بل يفسدها الحب غير الرشيد، والنصح غير المبصر، والحرص الذي لا يسأل: هل هذا القرار يناسب هذا الشخص؟ هل هو مستعد له؟ هل يملك قدرته وميله وظروفه؟ فالبيت الصالح ليس هو الذي يفرض على أفراده قرارا واحدا باسم المصلحة، ولا الذي يتركهم بلا نصح ورعاية، بل هو الذي يجمع بين الحب والبصيرة، وبين النصح واحترام الاستعداد، وبين الحذر من أثر القرابة والرحمة بأصحابها.

وخلاصة هذا الهدي أن القريب قد يكون أعظم نعمة إذا أعان، وقد يكون أشد فتنة إذا عطل؛ وأن المؤمن لا يجعل محبته لأهله سببا لضياع بصيرته، كما لا يجعل حذره منهم سببا لفقد رحمته. فأكمل الناس في هذا الباب من جمع بين يقظة القلب وسعة الصدر، وبين الحزم والعفو، وبين الحذر والمسالمة؛ وذلك هو الميزان الذي يصلح الدين والبيت معا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان