معرض إسطنبول للكتاب العربي.. جسر ثقافي بين العرب والأتراك

انطلقت، السبت، في مدينة إسطنبول، فعاليات النسخة الـ11 من معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، وتستمر حتى 23 أغسطس/آب الجاري، تحت شعار "الحكاية مستمرة". وينظم المعرض اتحاد الصحافة والنشر، والجمعية الدولية لناشري الكتاب العربي، والاتحاد التركي لمهنة الطباعة والنشر، برعاية إعلامية من وكالة الأناضول. وتشارك سوريا في المعرض ضيف شرف بجناح خاص تمثله وزارة الثقافة، إلى جانب حضور رسمي من قطر والجزائر وسلطنة عمان والمغرب والكويت، ومشاركة ممثلين عن منظمات مجتمع مدني دولية وشخصيات من مجالات الثقافة والفن والسياسة. ( Saffet Azak - وكالة الأناضول )
الكاتب: المعرض يعد جسرا للثقافة وهو في الوقت نفسه يجسّر الهوة التي صنعها بعض المفكرين العرب والأتراك (وكالة الأناضول)

منذ أيام قلائل اختتمت النسخة الحادية عشرة من معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، والمعرض يعد تظاهرة ثقافية تتجاوز حدود الكتاب إلى آفاق أرحب من التواصل والحوار والتفاهم بين العرب والأتراك.

ويحظى المعرض بحضور رسمي وشعبي واسع، وقد اكتسب مكانة بارزة في المشهد الثقافي في إسطنبول، بوصفه مساحة تلتقي وتتلاقح فيها الأفكار والثقافات، وتطرح فيها القضايا المشتركة للنقاش، وتبنى من خلالها جسور جديدة بين شعوب تجمعها روابط دينية وتاريخية وحضارية عميقة.

المشهد الذي يثلج الصدور في المعرض هو الإقبال الجماهيري الكبير، ولا سيما الحضور الملموس لفئة الشباب، وقد تجاوز عدد زوار المعرض حاجز 150 ألف زائر

اهتمام رسمي تركي لافت

من أبرز ما يميز المعرض الاهتمام الرسمي التركي، وحرص والي إسطنبول على المشاركة في افتتاحه، وهو اهتمام يعكس إدراكا لأهمية الثقافة والكتاب في تعزيز العلاقات بين الشعوب. فالحضور التركي الرسمي إلى جانب المؤسسات الثقافية ودور النشر يؤكد أن المعرض ليس نشاطا هامشيا، وإنما تظاهرة ثقافية ذات دلالة، يمكن أن تسهم في تعميق التواصل العربي التركي، وفتح مساحات جديدة للتعاون الثقافي والفكري.

والاهتمام الرسمي بالمعرض يكتسب أهمية خاصة في ظل العلاقات التاريخية التي تجمع العالم العربي وتركيا، والكتاب هنا يتحول إلى وسيلة من وسائل القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، وإلى لغة قادرة على الوصول إلى مناطق قد تعجز عنها الخطابات السياسية والإعلامية.

إقبال جماهيري وشبابي

المشهد الذي يثلج الصدور في المعرض هو الإقبال الجماهيري الكبير، ولا سيما الحضور الملموس لفئة الشباب، وقد تجاوز عدد زوار المعرض حاجز 150 ألف زائر.

وحرص أعداد كبيرة من الشباب والفتيات على زيارة المعرض، ولعدة مرات، يؤكد أن الاهتمام بالكتاب والثقافة لم ينحسر أمام هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، بل إن الأجيال الجديدة ما زالت تبحث عن المعرفة والهوية والفكر من خلال الكتاب واللقاء المباشر مع الكتاب والمثقفين.

إعلان

والحضور اللافت للفتيات من المشاهد التي تستحق التوقف عندها؛ إذ يعكس حيوية المجتمع الثقافي وحرص الفتيات على المشاركة في الفعاليات الفكرية والثقافية، كما أن هذا الحضور يمنح المعرض بعدا مجتمعيا يتجاوز فكرة التسويق للكتب إلى صناعة فضاء عام للنقاش والتفاعل وتبادل الأفكار، والمشاركة في الأنشطة الثقافية والفعاليات المصاحبة للمعرض، ومن ضمنها فعاليات فنية حظيت باهتمام وإعجاب زوار المعرض.

لأن الثقافة لا تنفصل عن قضايا الإنسان والأمة، كانت القضية الفلسطينية حاضرة في أجواء المعرض وفعالياته، فقد شكلت فلسطين مساحة مشتركة للحوار

جسر ثقافي في مواجهة سوء الفهم

المعرض يعد جسرا للثقافة، وهو في الوقت نفسه يجسر الهوة التي صنعها بعض المفكرين العرب والأتراك. فقد شهدت العقود الماضية محاولات لصناعة قطيعة نفسية وفكرية بين العرب والأتراك، وتأتي هذه الفعاليات لتؤكد أن الثقافة قادرة على ترميم ما أفسدته بعض الخطابات المتشنجة لبعض المفكرين والكتاب، عربا وأتراكا، ساهموا في تعميق سوء الفهم وإبراز نقاط الخلاف على حساب مساحات التوافق والتاريخ المشترك.

والمعرض يقدم نموذجا مختلفا؛ فهو يجمع الطرفين في مكان واحد، ويتيح لكل طرف أن يرى الآخر بعيدا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.

واللقاءات المباشرة التي تجمع القراء والناشرين العرب والأتراك تحول الثقافة إلى جسر حقيقي يصل بين المجتمعين، وهنا تكمن قيمة المعرض الأساسية، فالمعرض لا يكتفي بالحديث عن التقارب، بل يصنع التقارب عمليا من خلال اللقاء والحوار والتفاعل.

فلسطين حاضرة في قلب المشهد

من حسنات المعرض أنه يتيح للعرب والأتراك الحوار والنقاش حول القضايا المشتركة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي كانت حاضرة وبقوة في المعرض.

ولأن الثقافة لا تنفصل عن قضايا الإنسان والأمة، كانت القضية الفلسطينية حاضرة في أجواء المعرض وفعالياته، فقد شكلت فلسطين مساحة مشتركة للحوار.

وتكتسب القضية الفلسطينية في السياق العربي التركي أهمية خاصة؛ فهي قضية تتجاوز الحدود والاختلافات السياسية، وتحضر في الوجدان الشعبي والثقافي لدى قطاعات واسعة من المجتمعين، ومن هنا يصبح الحوار حولها فرصة لفهم المواقف المختلفة، وتبادل الرؤى، والتأكيد على أهمية العدالة وحق الشعوب في الحرية والكرامة.

فعاليات مصاحبة تثري المشهد الثقافي

لم يقتصر المعرض على أجنحة الكتب ودور النشر، بل رافقته فعاليات ثقافية وفكرية متعددة، من ندوات ولقاءات وحوارات وتوقيعات وفعاليات أدبية وفنية، وقد كان لي نصيب من المشاركة في هذه الدورة بورشة تدريبية حول الحرية والكرامة المالية، وتوقيع أحدث مؤلفاتي، وهو كتاب "وآتيناه الحكمة".

وهذه الأنشطة تمنح المعرض أهمية كبيرة، وتحوله من سوق للكتاب إلى ملتقى ثقافي متكامل، فالكتاب يصبح في هذه الفعاليات نقطة انطلاق للنقاش حول الأدب والتاريخ والفكر والسياسة والمجتمع، وتتحول قاعة المعرض إلى فضاء حي تتلاقى فيه الأصوات والتجارب.

كما تتيح هذه اللقاءات للقراء فرصة التواصل المباشر مع المؤلفين والمثقفين، وهو ما يعزز العلاقة بين القارئ والكتاب، ويشجع على القراءة والحوار.

إن الأمم لا تبني مكانتها الحضارية بالمال وحده، وإنما تبنيها بالكتاب والفكرة والثقافة والقدرة على الحوار والانفتاح على الآخر

الترجمة بين العربية والتركية

شهد المعرض تكريم عدد من المترجمين العرب والأتراك، تقديرا لجهودهم في الترجمة بين اللغتين، ومشاركة دور نشر عربية وتركية في المعرض تعكس تنوع المشهد الثقافي، وتمنح القارئ فرصة للاطلاع على الإنتاج الفكري والأدبي في اللغتين. كما أن حضور الكتابين العربي والتركي جنبا إلى جنب يفتح الباب أمام حركة أوسع للترجمة المتبادلة.

إعلان

والترجمة ليست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، وإنما هي نقل للأفكار والتجارب والرؤى، وكل كتاب يترجم من العربية إلى التركية أو من التركية إلى العربية هو نافذة جديدة يطل منها مجتمع على مجتمع آخر، ومن خلال توسيع حركة الترجمة يمكن تجاوز الصورة النمطية والكثير من الأحكام المسبقة؛ لأن معرفة الآخر من مصادره الأصلية أكثر فاعلية من معرفته عبر الصور التي تصنعها وسائل الإعلام أو الخطابات المتعصبة.

فعالية ثقافية يبنى عليها

المعرض فعالية ثقافية هامة ينبغي أن يبنى عليها؛ لأنها تفتح آفاقا للفهم والتعاون، بما يخدم مصالح الأمة ويعزز مكانتها الحضارية بين الأمم. فمعرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي يمثل تجربة ثقافية جديرة بالدعم والتطوير والبناء عليها، فقيمته لا تكمن فقط في عدد الكتب أو دور النشر المشاركة، وإنما في قدرته على خلق مساحة مشتركة للعرب والأتراك، وإعادة الاعتبار إلى الحوار الثقافي بوصفه طريقا لفهم الآخر والتعاون معه.

ويمكن لمثل هذه الفعاليات، إذا استمرت وتوسعت، أن تؤسس لشبكة أوسع من التعاون في مجالات النشر والترجمة والتعليم والبحث العلمي والفنون والإعلام، كما يمكن أن تمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف المشتركات الحضارية والتاريخية بعيدا عن الاستقطاب والصور النمطية.

إن الأمم لا تبني مكانتها الحضارية بالمال وحده، وإنما تبنيها بالكتاب والفكرة والثقافة والقدرة على الحوار والانفتاح على الآخر، ومعرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي ليس مجرد موعد سنوي لعشاق الكتب، بل هو مشروع ثقافي يمكن أن يسهم في فتح آفاق جديدة للفهم والتعاون بين العرب والأتراك، تخدم مصالح الأمة، وتعزز حضورها الثقافي والحضاري بين الأمم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان