أن تكون في عز الصيف وفي أيام أغسطس/آب، ولا تعرق ولا تلهث، ولا تشعر بأنفاسك تنقطع ولا بحلقك يجف من العطش، وتجرؤ على ارتداء "جاكيت" في منتصف النهار، فمعنى ذلك أنك في بلد ترحم شمسه أهله، وتستحيي أن تلقي لهيبها من السماء على أبناء هذه الأرض.
طشقند مدينة تشعر منذ الوهلة الأولى أنها رحيمة، فجوها نقي ولطيف، وشوارعها تملؤها الأشجار والخضرة، والبساطة والأصالة تبدوان عليها في كل شارع، وأهلها تنعكس على سيماهم خصائص الأرض التي يطؤونها والهواء الذي يستنشقونه كل يوم، وحتى شكرهم يعبرون عنه بكلمة "رَحْمَةْ".
تذكرت يوم نزلت العاصمة القطرية الدوحة منذ نحو 20 عاما، حينها ما إن ألقيت التحية على موظف الاستقبال في الفندق حتى اكتشفت من لكنة نطقه "وعليكم السلام" أنه أمازيغي
في المطار، في السيارة مع سائق التاكسي، في استقبال الفندق، في الجولات القصيرة التي قمت بها في المحيط، شعرت أن في هذا الشعب أشياء كثيرة تشبه هذا الأمازيغي الذي يتجول بينهم. فألسنتهم تتقاذف لغة تختلط فيها كثيرا حروف الخاء والشين والتاء والقاف، وتلك، لعمري، من خصائص اللغة الأمازيغية التي فتحت عليها عيني ذات يوم أحد من صيف 1973.
وحتى إلقاؤهم تحية "السلام عليكم" بلكنة تفرض على حروف العربية نطقا محليا خاصا، يذكرني بتلك الأيام التي كنت أتسلى فيها من حين لآخر في العاصمة المغربية الرباط وجارتها مدينة سلا، بين عامي 2000 و2006، باكتشاف هوية أبناء جلدتي، فما إن يسلم علي أحدهم أو يرد السلام حتى أعرف من لكنة نطقه أنه أمازيغي قادته الأرزاق، مثلي، من جبال الأطلس أو الريف إلى وهاد الرباط وسلا وما جاورهما.
بل وتذكرت يوم نزلت العاصمة القطرية الدوحة منذ نحو 20 عاما، حينها ما إن ألقيت التحية على موظف الاستقبال في الفندق حتى اكتشفت من لكنة نطقه "وعليكم السلام" أنه أمازيغي، بل وقلت له: أراهن على أنك من منطقة سوس (وسط المغرب)، وكذلك كان، ونتجت عن تلك اللحظة واللكنة صداقة دامت سنوات إلى أن غادر صديقي الدوحة إلى كندا.
بدأت أسأل مرافقتنا "مخلصة" -وهي فتاة في العشرينيات من عمرها تنحدر من مدينة خوارزم شمال غرب البلاد- عن بعض تقاليد أوزبكستان وعاداتها، وعن معاني بعض الكلمات التي تلتقطها أذناي، وبعضها اكتشفت أنها لم تكن ذات معنى؛ لأني "بهدلتها" إذ جمعت فيها النصف الثاني من كلمة والنصف الأول من التي تليها، فاخترعت بذلك "لغة جديدة" ما أنزل الله بها من سلطان.
في كلمة أحد المشاركين، شرح للحاضرين أن كلمة "أوزبك" تعني "الرجل الحر"، فوجدت شيئا آخر نتقاسمه نحن وإخوتنا الأوزبك، ففي لغتنا أيضا كلمة "أمازيغ" (مفرد جمعه "إيمازيغن") لها المعنى نفسه
في كل مرة أصيخ السمع فألتقط من العبارات والكلمات شيئا يشبه هويتي ويطير بي إلى أرض الأجداد والسلف هناك في المغرب، فإخوتنا الأوزبك أيضا أخذوا من اللغة العربية عبارات وطوعوها لتناسب لسانهم ولكنتهم، فتحولت الساعة عندهم إلى "سآآت"، وما إن سمعتها حتى تذكرت كلمة "تسّاعت" الأمازيغية.
سمعت كلمة "كيم" فذكرتني سريعا بـ"كمّْ" الأمازيغية (تعني أنتِ)، فسألت عن معناها في الأوزبكية، لكن فهمت أن التقارب في النطق يخفي تباعدا في المعنى، فـ"كيم" لدى الأوزبك تعني "من"، لكن في النهاية هما معا تدوران في فلك الإنسان.
"دادا" كلمة أخرى طرقت مسامعي أكثر من مرة، وعرفت فيما بعد أنها تعني الأب، يا له من تشابه عجيب! ففي لغتنا أيضا تعني الجد، وبعض المناطق الأمازيغية تطلقها على الأخ الأكبر، وتقال كذلك لمن يكبرك سنا وتكن له احتراما بالغا، وهي العبارة الأثيرة عندي لمخاطبة أصدقائي الأمازيغ في قطر.
وهكذا دواليك، في كل مرة تصل إلى طبلة أذني كلمة أو عبارة تذكرني بأصلي، بل إنهم يكثرون في كلامهم من الهمزة في أول الكلمات والتاء في بدايتها أو في آخرها، وتلك أيضا من خصائص التذكير والتأنيث في لغة الأمازيغ، لكني لم أمض بعد بين القوم ما يكفي لكي أجرؤ على القول إن هذا هو نهجهم أيضا أم إنه ليس كذلك.
ونحن في إحدى جلسات المنتدى الإعلامي الدولي حول الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، شدتني من جديد فكرة وردت في كلمة أحد المشاركين، فقد شرح للحاضرين أن كلمة "أوزبك" تعني "الرجل الحر"، فوجدت شيئا آخر نتقاسمه نحن وإخوتنا الأوزبك، ففي لغتنا أيضا كلمة "أمازيغ" (مفرد جمعه "إيمازيغن") لها المعنى نفسه، وقد تعني الصافي والقح، ومؤنثه "تمازيغت"، وإذا أطلق هذا الاسم على الشاة قصد به تلك البيضاء خالصة البياض التي لا شية فيها.
ملامح سكان طشقند أيضا فيها الكثير مما يشبهوننا فيه معشر الأمازيغ، فأنت ترى في وجوههم وعلى جلودهم أثر قسوة الجبال، وعلى ملابسهم المزركشة تنعكس ألوان الطبيعة الزاهية التي تحيط بهم من كل جانب، وموسيقاهم تنساب من آلات وترية ودفوف تنقل للروح سحر المرتفعات ورحابة السهول.
فهمت في هذه الرحلة القصيرة إلى أوزبكستان أننا، معشر الأمازيغ والأوزبك، كلانا أعجمي يحب لغة القرآن وتأثر بها، وفتح لها أحضان لغته الأصلية لتستوطنها كثير من العبارات العربية
ولمن قد يظن أني سقطت ضحية حنين زائف أو انحياز جارف، فيكفي أن يعرف أن زميلا يمنيا حضر معنا المنتدى -الذي استمر من 24 أغسطس/آب الجاري إلى 29 منه- جاءني يؤكد لي أنه سمع مثل هذه الإيقاعات الأوزبكية في الموسيقى المغربية، وانتهى بنا النقاش مع زملاء آخرين إلى بعض الخصائص التي تجمع موسيقى الجبال.
لديهم هنا أيضا مزمار يشبه مزمار "الغيطة" المعروف عندنا، وكان مما استقبلتنا به فرقة موسيقية على أبواب مركز الحضارة الإسلامية في طشقند، فأعادت إلى ذاكرتي جو الأعراس التي كنا نهب للحاق بمواكبها في شوارع مدينة القصيبة بمحافظة بني ملال وسط المغرب في ثمانينيات القرن الماضي، متجمهرين حول فرقة "الغياط" والطبالين، ومرددين أهازيج تحتفل بشخص جديد أطبقت عليه الحياة قضبان قفصها الذهبي.
في المتحف التابع للمركز أروقة عديدة تروي قرونا سحيقة من الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، وقادتني جولة سريعة فيه إلى رواق رأيت فيه رحى حجرية مثل تلك التي كان يديرها معصم أمي قبيل الفجر كي تطحن الشعير أو القمح لإعداد خبز الفطور، ووجدت فيه منسجا شبيها بذلك الذي كانت تتوارى وراءه هي أو جدتي -رحمها الله- بعد العشاء على ضوء الشمعة أو مصباح "البابور" الغازي، وتنشط أناملها في إعداد جلباب لأحدنا أو فراش أو غطاء صوفي يقينا زمهرير فصل الشتاء.
فهمت في هذه الرحلة القصيرة إلى أوزبكستان أننا، معشر الأمازيغ والأوزبك، كلانا أعجمي يحب لغة القرآن وتأثر بها، وفتح لها أحضان لغته الأصلية لتستوطنها كثير من العبارات العربية، وكلانا أعزه الله بالإسلام واتخذه منهجا في الحياة، ولو كتب لي أن أتوغل أكثر في قرى وجبال هذا البلد لوجدت فيها، ولا شك، قريتي وجزءا من طفولتي.
ولا شك أن لهذه البلاد أيضا مدارسها القرآنية العتيقة، شقيقة تلك التي تملأ جبال وربوع قبائل منطقة "سوس" أو "جبالة" أو "الريف" في المغرب، وكيف لا وجبال الأوزبك هي التي أنجبت الإمام البخاري والخوارزمي، وغيرهما من قامات أعاجم رفعت راية العربية والإسلام في آسيا والعالم، وما زال إرثها يضيء درب الأجيال.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

