حمحم الشعراء، وصهلت قلوبهم في هذا الموسم من "جرش الشعري". وبدا أنهم يعترفون أن هذا زمن السرد، وأن السراد أخذوا نجومية الشعراء التي لم تنطفئ يوما منذ أيام امرئ القيس. لسان حالنا يقول: نحن في زمن التواصل والذكاء!
فهل هذا زمن السرد فعلا؟ وهل غادر الشعراء؟ لنتأمل الصورة بهدوء.
شهدت في بداية الألفية استضافة "جرش الشعري" للشاعر محمود درويش، حيث أقيمت الأمسية الشعرية الخاصة على مسرح قصر الثقافة بمدينة الحسين للشباب في عمان. وقد نقلت الأمسية حينها من مدرجات جرش إلى قصر الثقافة في العاصمة عمان، لتستوعب الزخم الجماهيري والترتيبات الثقافية المصاحبة. وحضرها الآلاف من الأردنيين والفلسطينيين والوفود العربية في مشهد مهيب قلما حظي به شاعر آخر.
درويش كان نجمنا آنذاك. وأذكر أن جميع الشعراء، من مختلف الأعمار والتيارات والمدارس، كانوا في الصفوف الأولى للحضور.
في اليوم التالي لأمسية درويش، كانت أمسيتي في بيت الشعر الأردني، وشاركت معي فيها الشاعرة جمانة حداد من لبنان، والشاعر ديفيد دموتير من فرنسا. كان الحضور بالعشرات، هم جمهور بيت الشعر، ومعهم ضيوف المهرجان من الشعراء والمبدعين وبعض الصحفيين، بمن فيهم نجوم الشعر العربي في ذلك الوقت.
وهذا يجعلنا نفكر في مفارقة عميقة تكشف أطروحة "زمن السرد" كلها. ففي يومين متتاليين، من المهرجان نفسه، رأيت الوجهين: الآلاف لدرويش، والعشرات لي ولضيوف جرش، ومن بين هؤلاء العشرات نجوم الشعر العربي أنفسهم.
أي أن الفجوة لم تكن بين الشعر والسرد، بل كانت داخل الشعر ذاته، بين شاعر واحد صار قضية وجمهورا عابرا للأقطار، وبين الشعر بوصفه ممارسة يحضرها أهلها. النجوم كانوا في الصف الأول عند درويش، وكانوا معي في اليوم التالي يجلسون بين عشرات الحاضرين في بيت الشعر. والنجومية لم تكن موزعة على الشعراء، وإنما كانت محتكرة في واحد.
وأحسب أن هذا يسحب البساط من تحت المرثية الشائعة. فحين يقال: "غادر الشعراء"، المقصود دائما أن مدرجات درويش خوت. لكن مدرجات درويش لم تكن يوما مدرجات الشعر، بل كانت مدرجات درويش. أمسية العشرات في بيت الشعر هي الحجم الطبيعي والدائم للشعر، أمس واليوم وغدا. وما تغير ليس أن الشعر انكمش، بل أن الاستثناء الدرويشي الذي أوهمنا أن هذا حجمنا الطبيعي هو الذي غاب، فبدا الحجم الحقيقي هبوطا.
نعيش منذ عقود زمنا يميل إلى السرد، وقد صارت الرواية الأوسع انتشارا، والأكثر ترجمة، والأوفر حظا في الجوائز الكبرى. حتى العصر نفسه سردي الطبع، إذ تروى فيه الحياة اليومية بوصفها حكايات متلاحقة.
لعل "زمن الشعر" الذي نرثيه لم يوجد أصلا بالصورة التي نتخيلها. لقد كان دائما أمسية العشرات، أما ليلة الآلاف فقد كانت الحدث النادر، وليس القاعدة الضائعة.
أعتقد أن "زمن السرد" ليس اعترافا ينتزع من الشعراء الآن، إنه لازمة النقد الثقافي منذ أطلق جابر عصفور تعبير "زمن الرواية" في أواخر التسعينيات، ورسختها البوكر العربية حين جعلت الرواية عنوان المشهد وجائزته الكبرى.
لعل ما انطفأ في العقدين الأخيرين هو ظاهرة "الشاعر النجم"، من درويش إلى نزار وصولا إلى الجواهري، أي الصوت الكاريزمي الذي يملأ المدرجات؛ لأنه معقود على قضية وجمهور عابر للأقطار ومنبر يتسع للآلاف. هذا الطراز غادر، أما الشعر فبقي، تفرق وتشظى وهاجر إلى الشاشات وإلى دواوين لا تقرأ في المدرجات.
والسراد اليوم لم يرثوا هذه النجومية. لا روائي عربيا يملأ مدرجات جرش بجملة سردية كما ملأها درويش ببيت شعري واحد. النجومية تبخرت من الأدب كله، وانتقلت إلى المغني والمؤثر والشاشة الصغيرة. وقد ورثت الرواية المؤسسة، فاستحوذت على الجوائز والترجمة وسوق النشر، وهذا شيء آخر غير النجومية. وفي تقديري، فإن هناك خلطا بين وراثة المنبر ووراثة السوق.
نعيش منذ عقود زمنا يميل إلى السرد، وقد صارت الرواية الأوسع انتشارا، والأكثر ترجمة، والأوفر حظا في الجوائز الكبرى. حتى العصر نفسه سردي الطبع، إذ تروى فيه الحياة اليومية بوصفها حكايات متلاحقة.
لكن هيمنة السرد على لغة الثقافة شيء، ورحيل الشعر شيء آخر. الشعر لم يكن يوما فنا جماهيريا بالمعنى العددي، حتى في أزهى عصوره؛ يكفي شاعر واحد في جيل ليغير اللغة، بينما تنشر مئات الروايات فلا يبقى منها شيء بعد سنوات.
لم يخسر الشعر لصالح الرواية وحدها، لقد خسر جزءا من المجال العام لصالح منظومة إعلامية جديدة توزعت فيها النجومية بين الروائي وصانع المحتوى والموسيقي والمؤثر، حيث أصبحت طبيعة العصر نفسها سردية؛ فالإنسان محاط بالقصص طوال الوقت في منصات البث، وفي الألعاب الإلكترونية، والبودكاست، والصحافة، وحتى في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تروى الحياة اليومية بوصفها سلسلة من الحكايات.
وعودا على بدء، فلم يغادر الشعراء، إذ لم يكونوا يوما حيث ظنناهم. فالمدرجات التي بكينا خواءها لم تكن بيتهم، لقد كانت استعارة استردها درويش، أو قباني، أو الجواهري، أو مظفر النواب حين رحلوا. أما الشعر فبقي حيث كان دائما، في أمسية العشرات، صهيلا خافتا لا يملأ المدرجات ولا يريد، يكفيه أن الخيول في كل جيل تعرف كيف تعدو.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

