كيف يعيد العالم الإسلامي رسم موقعه في عالم متعدد الأقطاب؟

ANKARA - Milli silah sistemlerinin yetenekleri artıyor, seri üretimi hızlanıyor
الكاتب: اختارت تركيا مسار الاكتفاء الذاتي في ملفات إستراتيجية متعددة من إنتاج سفن استكشاف النفط والغاز إلى توطين صناعة السلاح (الأناضول)

يخطئ من يقرأ النصف الأول من عام 2026 في العالم الإسلامي بوصفه امتدادا آخر من سنوات الأزمات المتكررة. الأدق أن هذه الأشهر السبعة من هذا العام كشفت، بصورة غير مسبوقة، أن زمن الاعتماد الكامل على الخارج -سواء في الحماية أو في القرار الاقتصادي أو في التكنولوجيا- بدأ يترنح أمام تجارب متعددة تثبت أن الصمود والتكامل الذاتي ليسا شعارا أخلاقيا فحسب، بل هو خيار إستراتيجي ممكن، وربما الوحيد المتاح فعلا أمام هذه الأمة.

بينما تراجع معدل بطالة الشباب عالميا إلى ما يقارب 12.8%، وهو أدنى مستوى له منذ 15 عاما بحسب منظمة العمل الدولية، ظل معدل بطالة الشباب في الدول العربية عالقا عند مستوى يتجاوز 24%

فلسطين.. من المأساة إلى النموذج

لا يمكن قراءة هذه الأشهر السبعة دون التوقف عند المشهد الفلسطيني، حيث استمر الشعب في مواجهة حصار خانق وسياسات تجاوزت كل الأعراف الدولية. لكن ما يستحق التأمل ليس فقط حجم المأساة، بل قدرة الفلسطينيين على ابتكار أدوات للبقاء والصمود في أشد الظروف قسوة.

هذا الثبات، رغم غياب موازين القوة العسكرية والسياسية، يقدم درسا لكل الشعوب الإسلامية: أن الاعتماد على الذات ليس ترفا نظريا، بل شرطا للوجود. وفي الوقت نفسه، يبقى السؤال معلقا أمام النظام الدولي: إلى متى تظل قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القراران (242) و(338)، حبرا على ورق دون آلية جادة للضغط الاقتصادي والسياسي على من يخالفها؟

إيران.. تجربة التفاوض من موقع الصمود

في سياق مواز، أثبتت إيران عام 2026 أن الصمود في وجه ضغوط أمريكية وإسرائيلية مكثفة لا يعني بالضرورة الانغلاق أو رفض التفاوض، بل يمكن أن يكون بوابة لتفاوض أكثر توازنا حين يقوم على عدم التفريط في الثوابت.

هذا النموذج، بصرف النظر عن تعقيداته الجيوسياسية، يعيد التذكير بأن أوراق القوة في المفاوضات الدولية لا تصنعها النية الحسنة، بل القدرة على الصمود الاقتصادي والعسكري الذي يجعل الطرف الآخر مضطرا للجلوس على طاولة أكثر توازنا.

روسيا وتركيا.. درسان في الاكتفاء الذاتي

بعيدا عن منطقة الشرق الأوسط، تقدم التجربة الروسية في إدارة السياسة النقدية -منذ تولي إلفيرا نابيولينا محافظة البنك المركزي عام 2013- نموذجا لافتا لكيفية بناء منظومة اقتصادية أكثر مناعة في مواجهة العقوبات الغربية، من خلال تقليل الاعتماد على الغرب، والتوجه نحو الجنوب والشرق، وتعميق التكامل مع دول الجنوب العالمي.

إعلان

وعلى نحو مشابه، اختارت تركيا مسار الاكتفاء الذاتي في ملفات إستراتيجية متعددة: من إنتاج سفن استكشاف النفط والغاز محليا دون الاعتماد على شركات الطاقة الغربية، إلى تصنيع الدواء وتوطين صناعة السلاح، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة التي تحولت إلى أحد أهم بنود صادراتها الدفاعية في السنوات الأخيرة.

هذان النموذجان، الروسي والتركي، وإن اختلفت سياقاتهما السياسية، يلتقيان عند فكرة واحدة: أن السيادة الحقيقية تبنى بالقدرة الصناعية والتكنولوجية والغذائية، لا بالتصريحات السياسية.

بحسب بيانات مؤسسة "غلوبال إس دبليو إف" (Global SWF) لعام 2025، تدير أكبر صناديق الثروة السيادية في الدول الإسلامية مجتمعة أصولا تتجاوز 4 تريليونات دولار

عالم متعدد الأقطاب.. بريكس نموذجا

وفي آسيا، يستحق الصعود المتصاعد للصين اقتصاديا وجيوسياسيا، إلى جانب التجربة الماليزية في التصنيع والتنمية، قراءة استشرافية جادة من صناع القرار في العالم الإسلامي. فالعالم يتجه بوضوح متزايد نحو نظام متعدد الأقطاب، تجسده اليوم مجموعة "بريكس" التي توسعت لتضم عشر دول بعد انضمام السعودية والإمارات ومصر وإيران وإثيوبيا وإندونيسيا، أي خمس دول إسلامية دفعة واحدة، ليصبح التكتل ممثلا لنحو 45% من سكان العالم وحصة متصاعدة من ناتجه الاقتصادي.

هذا التحول يفتح أمام الدول الإسلامية نافذة لإعادة التموضع، شرط أن تمتلك رؤية جماعية بدل الاستمرار في التعامل الفردي المتشرذم مع القوى الكبرى، وأن تحول حضورها العددي في هذا التكتل إلى ثقل تفاوضي حقيقي لصالح قضاياها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

البطالة.. الفاتورة التي لا تنتظر

من بين كل الأزمات البنيوية، تبقى البطالة، وخصوصا بين الشباب، الأكثر إلحاحا واستعجالا. فبينما تراجع معدل بطالة الشباب عالميا إلى ما يقارب 12.8%، وهو أدنى مستوى له منذ 15 عاما بحسب منظمة العمل الدولية، ظل معدل بطالة الشباب في الدول العربية عالقا عند مستوى يتجاوز 24%، أي ضعف المعدل العالمي تقريبا، بحسب تصريحات رسمية خلال القمة العالمية للحكومات في فبراير/شباط 2025.

هذه الفجوة ليست إحصائية بقدر ما هي إنذار مبكر بأن ملايين الشباب المسلم يقفون خارج منظومة الإنتاج تماما في اللحظة التي يعاد فيها تشكيل الاقتصاد العالمي حول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة.

والمعالجة الجادة لهذه الأزمة تحتاج مسارين متكاملين وليس مسارا واحدا: الاستثمار في مهارات الذكاء الاصطناعي والرقمنة من جهة، وإطلاق مشروعات كثيفة العمالة في الصناعة والزراعة والبنية التحتية من جهة أخرى، بما يستوعب من لا تصلهم فرص الاقتصاد الرقمي مباشرة.

الثروة السيادية.. رأس مال بلا وجهة واضحة

في المقابل، لا يعاني العالم الإسلامي من نقص في رأس المال بقدر ما يعاني من غياب وجهة استثمارية موحدة له. فبحسب بيانات مؤسسة "غلوبال إس دبليو إف" (Global SWF) لعام 2025، تدير أكبر صناديق الثروة السيادية في الدول الإسلامية مجتمعة أصولا تتجاوز 4 تريليونات دولار، يتقدمها جهاز أبوظبي للاستثمار بأصول تجاوزت تريليون دولار، تليها الهيئة العامة للاستثمار الكويتية بنحو 969 مليار دولار، فصندوق الاستثمارات العامة السعودي بنحو 925 مليار دولار، وجهاز قطر للاستثمار بنحو 510 مليارات دولار، إلى جانب مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية وشركة مبادلة الإماراتية.

إعلان

هذا الحجم من رأس المال السيادي -إذا وجه جزء أكبر منه نحو التصنيع والزراعة والبنية التحتية والتقنية داخل الدول الإسلامية نفسها، بدل تركزه في أدوات مالية غربية تبحث عن العائد الآمن فقط أو في أسواق عقارية بعيدة عن أولويات التنمية- يمكن أن يشكل رافعة تنموية أكبر بكثير من أي مساعدات أو قروض خارجية، ويقلل تدريجيا من الاعتماد على الدولار الأمريكي في التجارة البينية.

إن الحالة الإسلامية في الوقت الراهن ليست حالة عجز مطلق كما قد يصور أحيانا، ولا هي حالة نهضة مكتملة كما يتمنى آخرون. إنها لحظة انتقالية تتقاطع فيها تجارب صمود مؤلمة، مع تجارب بناء ذاتي أكثر هدوءا

من التشخيص إلى البرنامج

إن استخلاص الدروس من هذه التجارب المتفرقة يقود إلى ملامح برنامج عملي لا مجرد تعاطف عابر مع قضايا الأمة.

  • أولا، تعميق التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية نفسها، بما يشمل تنسيق السياسات التجارية والصناعية وتقليل الحواجز البينية، بما يحول الكتلة الديمغرافية والجغرافية الكبيرة لهذه الدول إلى قوة تفاوضية حقيقية أمام التكتلات الأخرى.
  • ثانيا، توجيه جزء أكبر من الثروة السيادية الإسلامية نحو مشروعات تنموية مشتركة داخل العالم الإسلامي، بدل تركزها في أصول مالية غربية.
  • ثالثا، توطين الصناعات الإستراتيجية -الغذاء، الطاقة، الدواء، والتكنولوجيا الدفاعية- وفق ما أظهرته التجربتان التركية والروسية، بما يقلل من ثغرات الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية في اللحظات الأكثر حساسية.
  • رابعا، معالجة أزمة البطالة عبر مسار مزدوج يجمع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مع المشروعات كثيفة العمالة.

نحو خارطة طريق إسلامية للعقد القادم

إن الحالة الإسلامية في الوقت الراهن ليست حالة عجز مطلق كما قد يصور أحيانا، ولا هي حالة نهضة مكتملة كما يتمنى آخرون. إنها لحظة انتقالية تتقاطع فيها تجارب صمود مؤلمة، كالحالتين الفلسطينية والإيرانية، مع تجارب بناء ذاتي أكثر هدوءا، كالنموذجين التركي والروسي، وتحولات جيوسياسية كبرى يتقدم فيها الجنوب العالمي عبر تكتلات مثل "بريكس". وترجمة هذه اللحظة إلى مكسب حقيقي تحتاج خارطة طريق واضحة، لا مجرد تعاطف موسمي مع قضايا الأمة.

على المستوى السياسي، ينبغي تشكيل جبهة تفاوضية إسلامية موحدة تجاه القضية الفلسطينية، تترجم القرارين (242) و(338) إلى أدوات ضغط اقتصادي وسياسي فعلية بدل بقائهما نصوصا معلقة، وتستثمر الحضور الإسلامي المتنامي داخل "بريكس" لخدمة هذا الهدف تحديدا.

وعلى المستوى الاقتصادي، يجب إنشاء آلية عملية -ولو بدأت بمجموعة نواة من الدول الراغبة- لتوجيه نسبة محددة من أصول صناديق الثروة السيادية الإسلامية، التي تتجاوز 4 تريليونات دولار، نحو صندوق أو محفظة استثمارية بينية لتمويل مشروعات التصنيع والزراعة والبنية التحتية، بدل تركزها في أصول غربية.

وعلى المستوى الصناعي، تحتاج الدول الإسلامية برنامجا خمسيا لتوطين الصناعات الإستراتيجية الأربع: الغذاء والطاقة والدواء والتكنولوجيا الدفاعية، بالاستفادة المباشرة من الخبرة التركية والروسية.

وعلى مستوى الشباب، لا بد من مسار مزدوج عاجل يجمع صناديق تمويل ريادة الأعمال في الذكاء الاصطناعي مع برامج تشغيل كثيفة العمالة، لمعالجة فجوة البطالة التي تضاعف المعدل العالمي.

هذه الخطوات الأربع، إن تحولت من توصيات إلى برنامج عمل تتبناه مؤسسات كمنظمة التعاون الإسلامي أو تكتلات إقليمية فاعلة، تشكل المسار الأقرب لتحويل هذه اللحظة الانتقالية إلى سيادة حقيقية. فالسيادة، في نهاية المطاف، لا تمنح، بل تبنى خطوة بخطوة، كما تفعل شعوب ودول كثيرة في هذا العالم اليوم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان