حرب الشرق الأوسط.. كيف تعيد رسم خريطة النفوذ؟

(FILES) Vessels are seen anchored in the Strait of Hormuz, off the port city of Khasab on Oman’s northern Musandam Peninsula on May 17, 2026.
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم الشمالية في سلطنة عمان (الفرنسية)
  • الشرق الأوسط أمام اختبار الاستنزاف.. هل يعيد تعدد الجبهات تشكيل ميزان القوى العالمي؟

يشهد الشرق الأوسط تحولا إستراتيجيا يتجاوز حدود المواجهات العسكرية التقليدية. فالأحداث المتسارعة تشير إلى أن المنطقة لم تعد مسرحا لصراعات منفصلة، بل أصبحت فضاء مترابطا تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الاقتصاد السياسي والتنافس بين القوى الكبرى.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال الأساسي هو من سيفوز في المعركة المقبلة، بل كيف سيعاد توزيع النفوذ إذا أصبحت المنطقة ساحة لحرب استنزاف متعددة الجبهات؟

على مدى ثلاثة عقود، قامت الإستراتيجية الأمريكية على منع ظهور قوة إقليمية قادرة على احتكار موازين القوى في الشرق الأوسط، مع ضمان أمن إسرائيل، وحماية تدفقات الطاقة، والحفاظ على حرية الملاحة الدولية.

غير أن التحولات الجارية تكشف أن هذا النموذج يواجه ضغوطا متزايدة نتيجة صعود فاعلين إقليميين يمتلكون أدوات ردع غير تقليدية، وتنامي التنافس الدولي مع الصين وروسيا.

تعطُّل الممرات البحرية، أو اضطراب أسواق الطاقة، أو تصاعد المخاطر على سلاسل الإمداد العالمية، يمكن أن يحول أي أزمة محلية إلى أزمة اقتصادية عالمية، بما ينعكس على معدلات التضخم، والاستثمار، والنمو، وحتى على السياسات الداخلية للدول الكبرى

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى البيئة الأمنية المحيطة بها من منظور مختلف. فمنذ تأسيسها، اعتمدت عقيدتها العسكرية على المبادأة، والتفوق النوعي، والحسم السريع. غير أن توسع ساحات التوتر، وامتدادها من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والخليج، يفرض تحديات جديدة تجعل إدارة الصراع أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

أما إيران، فقد طورت خلال العقود الماضية نموذجا إستراتيجيا يقوم على تعظيم النفوذ الإقليمي عبر شبكة من العلاقات والتحالفات، بما يسمح لها بتوسيع خيارات الردع دون الاعتماد على المواجهة المباشرة وحدها. ومن هذا المنطلق، فإن عنصر الزمن يعد من أهم أدواتها الإستراتيجية، إذ إن الصراعات الطويلة قد تزيد الضغوط السياسية والاقتصادية على خصومها، حتى لو لم تحقق مكاسب عسكرية حاسمة.

إعلان

لكن أخطر ما في المرحلة الحالية لا يتمثل في احتمالات المواجهة العسكرية بحد ذاتها، بل في إمكانية تداخل الأزمات الإقليمية ضمن صراع دولي أوسع.

فتعطل الممرات البحرية، أو اضطراب أسواق الطاقة، أو تصاعد المخاطر على سلاسل الإمداد العالمية، يمكن أن يحول أي أزمة محلية إلى أزمة اقتصادية عالمية، بما ينعكس على معدلات التضخم، والاستثمار، والنمو، وحتى على السياسات الداخلية للدول الكبرى.

ومن هنا، يصبح تعدد الجبهات سلاحا ذا حدين. فإذا بقي التصعيد محدودا وقابلا للاحتواء، فقد يحقق أهدافا ردعية لبعض الأطراف. أما إذا فقدت القوى الكبرى القدرة على ضبط إيقاعه، فقد يتحول إلى حرب استنزاف إقليمية تضعف جميع اللاعبين، وتفتح المجال أمام إعادة توزيع النفوذ على أسس جديدة.

لقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة، لم يعد فيها ميزان القوى يقاس بعدد الصواريخ أو حجم الجيوش فقط، بل بقدرة الدول على الصمود الاقتصادي، وإدارة التحالفات، والتكيف مع نظام دولي يتجه تدريجيا نحو مزيد من التعددية

كما أن اتساع رقعة الصراع قد يدفع قوى دولية أخرى إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي. فالصين، التي تعتمد بصورة كبيرة على استقرار طرق التجارة والطاقة، وروسيا، التي تسعى إلى توسيع هامش تأثيرها في الشرق الأوسط، تراقبان التطورات بوصفها جزءا من المنافسة على شكل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية.

لذلك، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بنتائج العمليات العسكرية، بل بقدرة الأطراف على إدارة التوازن بين الردع والتصعيد، وبين القوة والدبلوماسية. فالخبرة التاريخية تؤكد أن الحروب الطويلة نادرا ما تنتج منتصرا مطلقا، لكنها كثيرا ما تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات.

لقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة، لم يعد فيها ميزان القوى يقاس بعدد الصواريخ أو حجم الجيوش فقط، بل بقدرة الدول على الصمود الاقتصادي، وإدارة التحالفات، والتكيف مع نظام دولي يتجه تدريجيا نحو مزيد من التعددية.

وفي هذا السياق، قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: من سيربح الحرب؟ بل: من سيملك القدرة على صياغة السلام الذي سيليها، وبالتالي التأثير في النظام الإقليمي الجديد؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان