لا ينبغي النظر إلى اتفاق الدفاع الذي وُقّع في منطقة الخليج باعتباره مجرد تعاون عسكري بين دولتين، بل يجب قراءته باعتباره مؤشرا ملموسا على علاقات القوة الجديدة التي بدأت تتشكل في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فالتقارب بين تركيا وباكستان والسعودية يشير إلى ظهور خط قوة جديد في الخليج والشرق الأوسط، يمكن أن يشكل أحد أبرز ملامح المرحلة المقبلة.
تكتسب الطبيعة الدفاعية للاتفاق الموقع أهمية خاصة في هذا السياق. فالأمر لا يتعلق بتحالف عسكري أُنشئ لمهاجمة دولة بعينها، وإنما يقوم على مبدأ مفاده أن التهديد الذي يستهدف أحد الشركاء يمكن أن يمس أمن الشركاء الآخرين
ولفهم هذا المسار، يكفي النظر إلى التطورات الأخيرة في العلاقات التركية الباكستانية. فعندما اندلعت الحرب بين باكستان والهند العام الماضي، قدمت تركيا دعما لباكستان عبر إرسال طائرات نقل عسكرية. وفي ذلك الوقت، تحدثت وسائل إعلام هندية عن دور لعناصر الحرب الإلكترونية التركية في إسقاط طائرات حربية هندية، وهو ما تبعته تصريحات هندية حادة تجاه تركيا.
واليوم، ينبغي النظر إلى السعودية باعتبارها الطرف الثالث في هذا التقارب الإستراتيجي.
فالعلاقات التركية السعودية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولا مهما، وجاء اتفاق الدفاع الموقع ليضع هذا التقارب أمام مرحلة جديدة. غير أن قراءة هذا التطور باعتباره اتفاقا عسكريا فحسب ستكون ناقصة؛ لأن الدول الثلاث باتت تلتقي في عدد متزايد من المصالح والقضايا الإقليمية.
وتبرز سوريا في مقدمة هذه الملفات. فقد طورت تركيا والسعودية وقطر ومصر وباكستان مواقف متقاربة بشأن إعادة سوريا إلى محيطها الإقليمي ورفع العقوبات المفروضة عليها. كما تظهر مجالات مشتركة للمصالح في السودان والصومال.
أما اليمن، فقد يكون أحد أهم الاختبارات لهذا التقارب خلال المرحلة المقبلة. فأنشطة الحوثيين لا تمس أمن السعودية وحدها، بل ترتبط أيضا بأمن طرق التجارة الإقليمية والدولية عبر باب المندب. ومن ثم، فإن أي تهديد لأمن السعودية بات يُنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره جزءا من قضية أمن إقليمي أوسع.
وتكتسب الطبيعة الدفاعية للاتفاق الموقع أهمية خاصة في هذا السياق. فالأمر لا يتعلق بتحالف عسكري أُنشئ لمهاجمة دولة بعينها، وإنما يقوم على مبدأ مفاده أن التهديد الذي يستهدف أحد الشركاء يمكن أن يمس أمن الشركاء الآخرين أيضا.
الوزن السياسي والعسكري والاقتصادي للدول الثلاث، وموقعها الجغرافي، يجعل هذا التقارب قابلا لأن يتحول إلى أحد أبرز مراكز القوة في المنطقة
ولهذا السبب، سيكون من الخطأ وصف هذا الترتيب بأنه تحالف موجه ضد إيران. فدول المنطقة تأخذ في حساباتها، من جهة، التهديدات المحتملة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والقوى التابعة له، ومن جهة أخرى، المخاطر الأمنية الناتجة عن السياسات الإسرائيلية في المنطقة.
وتكتسب تركيا في هذا السياق أهمية خاصة. فمقاربة أنقرة لا تقوم على اختيار طرف في مواجهة آخر، وإنما على الحفاظ على التوازن الإقليمي والمساهمة في بناء منظومة تمكن دول المنطقة من حماية أمنها ومصالحها.
ولا يزال من المبكر اعتبار التقارب التركي الباكستاني السعودي تحالفا مؤسسيا شبيها بحلف الناتو.
بيد أن الوزن السياسي والعسكري والاقتصادي للدول الثلاث، وموقعها الجغرافي، يجعل هذا التقارب قابلا لأن يتحول إلى أحد أبرز مراكز القوة في المنطقة.
ومن هنا يمكن النظر إلى هذا الترتيب الجديد -في سياقه الأوسع- باعتباره ما يمكن تسميته "تحالف مكة"؛ ليس بوصفه اسما رسميا للاتفاق، وإنما باعتباره تعبيرا عن مرحلة جديدة من التقارب الإستراتيجي بين دول المنطقة.
إن اتفاق ليس مجرد حدث يخص الحاضر، بل قد يكون مؤشرا على شكل المنطقة في المستقبل.
خط قوة جديد يتشكل في الشرق الأوسط، وتركيا تقف في القلب منه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

