لا تقوم العملية التعليمية على محتوى يختص باللغة والحساب فحسب، بل بنيت المدرسة لأغراض معرفية متنوعة، لا يمكن اختزالها في سياق تحصيلي يخضع فيه التلميذ لمبدأ التلقي، بعيدا عن أبعاد تتواءم مع المعرفة لتنمية قدراته ومهاراته.
فاللغة والحساب ضروريان للانطلاق نحو معرفة الأشياء، غير أن أثرهما لا يقتصر على الحروف والأعداد؛ إذ تنهض إلى جانبهما معارف يراها البعض ترفيهية، لكنها تبني أهم صفات الطفل خلال الطور الابتدائي.
نتحدث عن مرحلة حساسة في النظام التعليمي، بل تعد من أخطر الأطوار إذا لم ترسم لها إستراتيجيات تضعها في مقدمة أولويات التعليم، حيث يكون الطفل العنصر الأساس فيها، بما يفضي إلى إعداد أجيال تؤمن بهويتها ووطنيتها.
لذلك خصصت في المرحلة الابتدائية مادة التربية البدنية والرياضية، لما لها من أهمية تمس وجدان الطفل، وتخرجه من مساحات تلقينية إلى فضاءات مفتوحة تنمي وعيه بقدراته، وتطور مهاراته. فالتربية البدنية في المرحلة الابتدائية تعد مشتلة النخبة الوطنية. فهل تعد التربية البدنية مجرد حصة للترفيه المدرسي، أم إنها مشتلة النخبة الوطنية؟
يحب الطفل الترفيه والحركة، ولا يمكن حصره في زاوية الإملاءات المتكررة، وحرمانه من خصوصيته التي تقتضي التعامل معه بوصفه مشروعا تربويا وإنسانيا، لا مجرد متلق للمعرفة
خصوصية ناعمة
من المهم التمييز بين التربية البدنية والرياضة؛ فالتربية البدنية لا تعني بالضرورة الترفيه وممارسة الألعاب فحسب، بل تقوم على بناء الوعي لدى الناشئة، وتنمية قدراتهم المهارية، واكتشاف فروقاتهم الفردية في مختلف الأنشطة الرياضية والحركية.
وهذا التكامل الذي تتميز به المادة، وقد وضعت أسسها في الطور الابتدائي بوصفها مدخلا طبيعيا للرياضة المدرسية، ليجعلها أكثر ركائز العملية التعليمية خصوصية، لارتباطها بفئة تتميز بحساسية مفرطة، وتفاعل دائم، ونشاط متجدد. فالطفل أقرب إلى الحرية منه إلى الانضباط، وإلى المرح منه إلى الجدية؛ لذلك يصعب حبسه في قالب تعليمي يحرمه من عالمه الخاص.
يحب الطفل الترفيه والحركة، ولا يمكن حصره في زاوية الإملاءات المتكررة، وحرمانه من خصوصيته التي تقتضي التعامل معه بوصفه مشروعا تربويا وإنسانيا، لا مجرد متلق للمعرفة، فهو جوهر الحضور الإنساني في النظام المعرفي، بدءا من الجماعة التربوية وصولا إلى المناهج.
ومن هذا المنطلق، فإن التربية البدنية ليست منظومة قائمة على معارف تلقينية تلقى في ميزان الفهم والحفظ، بل هي معارف يعيشها الطفل، ويدركها بفطرته، ويحبها؛ لأنها تعرفه بذاته طفلا قبل أن تفرض عليه صفة التلميذ المنضبط.
وحين ندرك أن جوهر التعليم يتمحور حول الطفل، يصبح بإمكاننا أن نسلك مسارات أكثر إبداعا وابتكارا في بناء المعرفة. ولا تقل أهمية الرياضة المدرسية في الطور الابتدائي عن أهميتها في مرحلتي التعليم المتوسط والثانوي، غير أن أستاذ التربية البدنية والرياضية في الابتدائي يتعامل مع عالم ناشئ، مفعم بالحيوية، وأحلام تتجاوز عمره بسنوات.
لذلك لا ينبغي أن يكون الأستاذ في الابتدائي شبيها بأقرانه في المستويات الأخرى، بل يتميز بدور المرافق والموجه، الذي يكتشف قدرات الطفل ويصقلها. فهو يدرك يقينا أن المتعلمين الصغار ليسوا مجرد وسيلة للترفيه، بل هم مشاريع إنسانية، وأفكار تتشكل في قوالب متنوعة، وعناوين لمستقبل الوطن.
يهيئ أستاذ التربية البدنية والرياضية الفضاء الأكثر خصوبة لمتعة المتمدرسين، وهي متعة لا تقوم على الترفيه وحده، وإنما تنبع من إدراك الأستاذ لمعاني الحرية والعدالة والاستقلالية، وتقبله حس الطفل النقدي واختياراته
الأستاذ مرافقا
ليس من المنتظر أن يكتشف التلميذ في الابتدائي قدراته ويعمل على تطويرها بمفرده؛ إذ يفتقد الوعي الكافي بالعمليات التعليمية ما لم يكن هناك محفز أو دافع يجعله ذاتا فاعلة ومرنة وقادرة على التفكير المستمر. فأنشطته اليومية تقوم، بالدرجة الأولى، على اللعب، بوصفه الأساس الذي يتشكل منه مفهوم الرياضة لديه.
وهذا ليس خللا وظيفيا، بل هو أمر طبيعي تقتضيه المرحلة العمرية، غير أنه يعكس قصورا ناتجا عن عدم اكتمال النضج القيمي والتربوي، اللذين يسهمان، إلى جانب التفكير العقلاني، في تنشئة جيل واع بذاته، ومنفتح على محيطه، ومهتم بأن يجعل من الآخرين مصدرا للإثراء.
من هنا، يقوم دور أستاذ التربية البدنية والرياضية بوصفها المدخل الأول للرياضة المدرسية، على ثلاث ركائز مهمة:
- أولا: ينبغي على الأستاذ أن يدرك أن تعامله مع الناشئة يعد من أكثر المهام التربوية حساسية، لما تتميز به هذه الفئة العمرية من خصوصية. لذلك، عليه أن يفهم سلوك المتعلمين بعيدا عن أي تصور منهجي يحصرهم في خانة التلقي، وأن يتعامل معهم بمنطق المربي قبل القائد؛ إذ قد يكون بمنزلة الوالد إذا أحسن تقدير أسس العمل التربوي، وآمن بقدرات المتعلمين وإمكاناتهم.
- ثانيا: لا يمكن تشبيه أستاذ مرحلة الابتدائي بغيره من المعلمين؛ إذ يتعين عليه العناية بالجوانب النفسية والاجتماعية بما يعزز حضوره التربوي والتعليمي، من خلال اطلاعه على أدبيات الطفولة وفلسفتها، وما ترمي إليه من تنمية استقلالية الطفل وإبداعه.
ويهيئ أستاذ التربية البدنية والرياضية الفضاء الأكثر خصوبة لمتعة المتمدرسين، وهي متعة لا تقوم على الترفيه وحده، وإنما تنبع من إدراك الأستاذ لمعاني الحرية والعدالة والاستقلالية، وتقبله حس الطفل النقدي واختياراته؛ ولذلك ينبغي أن يكون حيويا ومرنا، ومنفتحا على قيم الحرية والمسؤولية.
- ثالثا: تتمحور علاقة المعلم بالمتعلم ضمن مناهج تربوية متكاملة، أسست بموجب دراسات علمية ونفسية واجتماعية، خصصت لفئة عمرية شديدة الحساسية.
غير أن المشكلة القائمة في تجسيد هذه العلاقة على أرض الواقع تتمثل في قصورنا في تأويل النصوص التنظيمية، وتفسيرها ضمن أطر لا تناسب خصوصية الطور الابتدائي؛ إذ يخضع بعض التربويين المناشير الوزارية لتأويلات قاسية، فيرسمون تصورات تعليمية أقرب إلى الطورين المتوسط والثانوي.
وهذا الإسقاط، وإن كان غير متعمد، فإنه ناتج عن عدم الإحاطة الكافية بالمنهاج والوثائق الرسمية المتعلقة بمادة التربية البدنية والرياضية، إذ يمكن تطويرها وتنقيحها من خلال دراستها، ومناقشتها، والاستماع إلى الأساتذة الذين يباشرون التدريس ميدانيا.
من أجل أن نضمن نخبة وطنية تغار على أوطانها، وتسهم إسهاما فاعلا واستثنائيا، علينا أن نلتزم بأخلاقية مهنية ومسؤولية تاريخية تجاه الناشئة؛ أولئك المتعلمين الذين ينتظرون من الجماعة التربوية أن تكون سفينة عبور آمن نحو المستقبل
المستقبل اليوم
إن أكثر ما يخشاه البشر هو جهلهم بمصائرهم؛ فتلك الإحالة القهرية عن وظائفهم هي ما يربكهم، ويخيفهم، ويصور مستقبلهم وكأنه فناء حياتهم. ولا يقتصر ذلك على المستوى الشخصي فحسب، بل يمتد ليهدد أوطانا حين تتخلى عن استشراف المستقبل.
ولعل صناعة المستقبل تتطلب أن نولي أهمية كبيرة لجيل اليوم، ذلك الذي تنحته المناهج التربوية، وتصوغه البرامج، وترسم ملامحه السياسات التعليمية.
فمن أجل أن نضمن نخبة وطنية تغار على أوطانها، وتسهم إسهاما فاعلا واستثنائيا، علينا أن نلتزم بأخلاقية مهنية ومسؤولية تاريخية تجاه الناشئة؛ أولئك المتعلمين الذين ينتظرون من الجماعة التربوية أن تكون سفينة عبور آمن نحو المستقبل.
ربما نتشارك مع الأستاذ مسؤولية صناعة نخب المستقبل، لكن المدرسة، وبخاصة التربية البدنية، تقدم إسهامات كبيرة في جعل الفضاء التعليمي ساحة للمنافسة، داخل مجتمع فتي يعشق التحدي والمثابرة، وينظر إلى أستاذ التربية البدنية بوصفه صورة تحمي عالم الطفولة الحالم. فهل ندرك حقا أن الرياضة المدرسية خيار إستراتيجي في السياسات التعليمية؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

