تقف دول الخليج في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، فهي ملتقى قارات، ومخزن ثروات هائلة، ومصدر مهم للطاقة، وممر حيوي للملاحة والتجارة العالمية. غير أن هذه المزايا نفسها تجعلها عرضة للتحديات والأطماع، وفي حالة اختبار دائم.
وليس هذا الواقع جديدا؛ فقد كانت جزيرة العرب -كما سماها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة- محط أطماع القوى الكبرى منذ فجر التاريخ، بحكم موقعها كحلقة وصل بين الشرق والغرب.
لم تكن الحرب الأخيرة مع إيران مجرد مواجهة عابرة، بل مثلت جرس إنذار جديدا يُضاف إلى إنذارين سابقين: الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، التي تُعرف أيضا بحرب الخليج الأولى، وغزو العراق للكويت عام 1990
وأكسبت التجارة العالمية أهمية متزايدة لسواحلها الجنوبية والغربية والشرقية، كما تجلى ذلك في تجربة الشركات التجارية الأوروبية، كشركتي الهند الشرقية البريطانية (عام 1600) والهند الشرقية الهولندية (عام 1602)، اللتين مُنحتا امتيازات احتكارية واسعة للتجارة مع آسيا، وسعت حكومتاهما، من خلالهما، إلى السيطرة على الموانئ وخطوط الملاحة.
ومع افتتاح قناة السويس عام 1869، تضاعفت الأهمية الإستراتيجية لمضيق باب المندب بوصفه نقطة اختناق حيوية تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. وفي المقابل، تعاظمت أهمية مضيق هرمز مع اكتشاف النفط على ضفتي الخليج في أوائل ومنتصف القرن الماضي، ليصبح شريانا رئيسيا للطاقة العالمية. وهكذا تكرس موقع الخليج مركزا جغرافيا حساسا في معادلة الاقتصاد والسياسة الدوليين.
لم تكن الحرب الأخيرة مع إيران مجرد مواجهة عابرة، بل مثلت جرس إنذار جديدا يُضاف إلى إنذارين سابقين: الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، التي تُعرف أيضا بحرب الخليج الأولى، وغزو العراق للكويت عام 1990.
غير أن الفارق هذه المرة يتمثل في طبيعة التهديد، الذي بدا أكثر مباشرة وشمولا، بما يقترب من كونه تهديدا وجوديا. وهو ما يفرض على دول الخليج إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، وتحالفاتها، وبنيتها الأمنية الداخلية، بما يعزز مناعتها في مواجهة المشاريع الخارجية المتربصة بها.
وفي النظر إلى أدوات القوة، يمكن القول إن الدول الحديثة تمتلك ثلاث ركائز رئيسية: القوة الصلبة (أو الخشنة)، والقوة الناعمة، والقوة الذكية.
وقد أظهرت التجربة أن دول الخليج -وإن بدرجات متفاوتة- قادرة على توظيف قوتها الناعمة بكفاءة، عبر الدبلوماسية الهادئة، والصبر الإستراتيجي، والحضور المدروس في بعض الملفات، وهو ما برز خلال الحرب وفترة التوتر التي أعقبت أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما أن القوة الذكية، المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار، تمثل رهانا متصاعدا، خصوصا أنها لا تعتمد على الكتل السكانية بقدر اعتمادها على المعرفة والتقنية، لا سيما مع التسارع المتواصل في تطور الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، تظل القوة العسكرية التقليدية محكومة باعتبارات ديمغرافية واضحة، ما يجعل من الصعب تحقيق توازن كامل في هذا الجانب. ومن هنا تبرز أهمية توسيع دائرة التحالفات الدفاعية مع دول عربية ذات كثافة سكانية وعمق جغرافي، وإعادة بناء العمق الإستراتيجي للخليج، الذي شهد اختلالا خلال الفترات الماضية لأسباب متعددة لسنا بصدد الخوض فيها هنا.
إن الاستثمار في استقرار اليمن وتنميته، بعيدا عن التجاذبات والصراعات والحسابات الضيقة، ليس خيارا أخلاقيا فحسب، أو مجرد استجابة لاعتبارات الشفقة وحق الجوار، بل هو ضرورة إستراتيجية
في ظل هذا المشهد، لم يعد ممكنا النظر إلى دول الخليج بمعزل عن محيطها المباشر، خصوصا عمقها الإستراتيجي في الجنوب.
فاليمن -رغم ما يعيشه من أزمات- يمثل عمقا إستراتيجيا وديمغرافيا لا يمكن تجاهله. ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي أمام دول الخليج، والمتمثل في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء رؤية تكاملية تعيد الاعتبار لجغرافيا الجزيرة العربية بوصفها وحدة مترابطة.
إن الاستثمار في استقرار اليمن وتنميته، بعيدا عن التجاذبات والصراعات والحسابات الضيقة، ليس خيارا أخلاقيا فحسب، أو مجرد استجابة لاعتبارات الشفقة وحق الجوار، بل هو ضرورة إستراتيجية.
ومن المهم أن تبلور دول الخليج، مجتمعة، خطة إستراتيجية واضحة وشفافة تجاه اليمن، قبل أن تحوله طهران، شيئا فشيئا، إلى خنجر حاد في خاصرتها، ومنصة لمهاجمة مدنها ومصالحها، ومن ثم تفرض وصايتها على مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
وعندها لن تكون بحاجة إلى سلاح نووي لفرض هيمنتها ورؤيتها على المنطقة، خصوصا بعد تجربة تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز منذ مطلع مارس/آذار الماضي.
وفي اعتقادي، فإن النظام الإيراني، ومع تغير قواعد الاشتباك التي فرضتها الحرب الأخيرة، سيولي ذراعه في اليمن اهتماما أكبر خلال المرحلة المقبلة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

