- الأمة بين عوامل القوة واستحقاقات البقاء (3)
حين داس فيل ضخم أرضا زراعية، لم يبالِ أهل القرية بأثر أقدامه، وعدوا الأمر شأنا لا يعنيهم، واستمروا في خلافاتهم الصغيرة، بينما كان الفيل يطأ أرضا بعد أخرى، حتى عمت أقدامه أنحاء القرية.
سارعوا إلى حكيمهم يسألونه: ماذا نفعل؟ فقال لهم: حين داس الفيل أرض جاركم، كان ينبغي أن تتصدوا له، وتعلموا أنه في طريقه إلى أرضكم.
ليست هذه الحكاية إلا استعارة تتكرر في مسيرة التاريخ؛ إذ نادرا ما تبدأ الأمم بالانهيار من الخارج، وإنما تبدأ حين تنشغل بخلافاتها الصغيرة وتغفل الأخطار الكبرى التي تتسلل إليها تباعا.
لا يختلف اثنان على أن الواقع العربي الراهن يمر بإحدى أخطر مراحله وأكثرها تعقيدا، في ظل تداخل عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية تركت آثارا عميقة في بنية الدول العربية.
لا يمكن لأي أمة أن تسقط بفعل خارجي فحسب، بل لأن عوامل الضعف تتراكم في داخلها: انقسام الصف، وفساد الإدارة، وتراجع الشعور بالعدل والمساواة، وضعف المؤسسات، وفقدان القدرة على التجديد
تؤكد تجارب التاريخ أن الانقسام الداخلي كثيرا ما سبق مراحل التراجع الحضاري. فالخلافات السياسية إذا تحولت إلى خصومات دائمة، وأضعفت الثقة بين مكونات المجتمع، انعكس ذلك على الاقتصاد والتعليم والإدارة والإنتاج العلمي، فتدخل الأمة في دائرة من الاستنزاف يصعب الخروج منها، ويجعلها أكثر هشاشة أمام الأخطار الخارجية.
لقد سقطت مدينة طليطلة في الأندلس، سنة 1085، ولم تكن دول الطوائف قد استنفدت مواردها بعد، لكنها فقدت وحدتها؛ حيث انقسمت البلاد إلى دويلات، يتنافس أمراؤها على النفوذ، ويستعين بعضهم بأعدائه ضد أبناء جلدته، حتى غدا العدو يحكم بينهم أكثر مما يحكم عليهم.
من هنا فإن قوة الدولة لا تُقاس بقدراتها العسكرية وحدها، وإنما بمتانة جبهتها الداخلية، وثقة مواطنيها بمؤسساتها، وقدرتها على تحقيق العدالة وسيادة القانون.
وطبيعي أن الأمم في مسيرة نهوضها تتعرض لانكسارات هنا واضطرابات هناك، بيد أن هذا لا يعني بالضرورة انهيار الدول أو اندثار حضارتها.
وإنصافا لحقائق التاريخ لا يمكن لأي أمة أن تسقط بفعل خارجي فحسب، بل لأن عوامل الضعف تتراكم في داخلها: انقسام الصف، وفساد الإدارة، وتراجع الشعور بالعدل والمساواة، وضعف المؤسسات، وفقدان القدرة على التجديد؛ فحين تتآكل هذه المقومات، يصبح أي خطر خارجي معولا من معاول الهدم.
لذا يرى ابن خلدون أن سقوط الدول لا يبدأ عند أسوارها، بل في داخلها؛ حين تضعف العصبية الجامعة، ويحل الانقسام محل الوحدة، ويغدو الظلم والترف مقدمات لانهيار العمران.
لذلك كان الحفاظ على الوحدة، وإدارة الاختلاف، وترسيخ العدالة، من أهم شروط بقاء الأمم.
وهذا يتطلب من النخب السياسية والفكرية، ومؤسسات الدولة، الاستجابة للتحديات المستجدة وابتكار حلول متجددة، بما يحفظ قدرة المجتمعات على التجديد والإبداع.
الأزمات الكبرى لا تكشف فقط عن قوة الأمم، بل أيضا عن مستوى تماسكها الداخلي؛ فالدول التي تقوم على مؤسسات قوية وثقافة تعاون ومسؤولية جماعية تكون أكثر قدرة على تجاوز التحديات
ولا يقف هذا الاستنتاج عند حدود التاريخ الإسلامي، بل تؤيده قراءات عدد من مؤرخي الحضارات؛ إذ يرى "أرنولد توينبي" أن الحضارات لا تنهار بفعل الغزو الخارجي وحده، بل حين تعجز نخبها عن الاستجابة للمتغيرات، فتفقد قدرتها على التجديد والإبداع.
فقبل معركة تحرير القدس، لم يبدأ "صلاح الدين الأيوبي" بمواجهة الأعداء مباشرة، بل أدرك أن توحيد الجبهة الداخلية شرط لتحقيق نصر عسكري حاسم.
وانطلاقا من هذا الإدراك، أمضى سنوات في إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتعزيز مواردها الاقتصادية والعسكرية، وحرص على ترسيخ مبدأ العدالة والاستقرار؛ لأن الأمة المنقسمة لا تستطيع أن تخوض معركة مصيرية، مهما امتلكت من الشجاعة أو العدد، وكان تتويج هذا المشروع الإصلاحي انتصار حطين، عام 1187.
ويذهب عدد من المفكرين المعاصرين إلى أن الأزمات الكبرى لا تكشف فقط عن قوة الأمم، بل أيضا عن مستوى تماسكها الداخلي؛ فالدول التي تقوم على مؤسسات قوية وثقافة تعاون ومسؤولية جماعية تكون أكثر قدرة على تجاوز التحديات.
لذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في أدوات القوة وحدها، بل في الإنسان، والتعليم، والعدالة، والحكم الرشيد، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لعل أخطر ما تكشفه تجارب التاريخ أن الأمم لا تهزم يوم يتفوق خصومها عليها، وإنما حين يتقدم الانقسام على الوحدة، وتتقدم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، ويتغلب الشك والارتياب على الثقة المتبادلة
فهذه المقومات هي التي تمنح الأمة القدرة على الصمود أمام التحولات، وتحول دون أن تصبح خلافاتها الداخلية مدخلا لتراجعها أو وسيلة يستغلها الآخرون لتحقيق مصالحهم.
وأمام هذا المشهد المتشابك، ومع تعاظم الأخطار، لم يعد ممكنا التعاطي مع أزمات المنطقة بوصفها حالات منفصلة، بينما تؤكد حقائق التاريخ والجغرافيا أن أمنها واستقرارها ومستقبلها مترابطة ترابطا وثيقا، على نحو لا يقبل التجزئة؛ فالحرائق التي تشتعل في بقعة صغيرة لا تلبث أن تمتد آثارها إلى جوارها، وما يبدو أزمة محلية قد يتحول إلى تحد إقليمي وربما دولي، يمس وجود الجميع.
ولعل أخطر ما تكشفه تجارب التاريخ أن الأمم لا تهزم يوم يتفوق خصومها عليها، وإنما حين يتقدم الانقسام على الوحدة، وتتقدم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، ويتغلب الشك والارتياب على الثقة المتبادلة.
عندئذ لا يكون الخارج هو صانع الهزيمة، بقدر ما يكون مستفيدا من ضعف تغذيه الانقسامات الداخلية.
ومن هنا فإن استحقاق البقاء لا يبدأ من سباقات التسلح، على أهميتها، ولا من وفرة الموارد وحدها، بل من بناء الإنسان، وترسيخ العدالة، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وإدارة الاختلاف بروح المسؤولية والشراكة، تحت سقف المصالح الوطنية.
ختاما؛ أثبت التاريخ مرارا أن قوة الأمم لا تكمن في غياب الخلاف، وإنما في قدرتها على إدارته بحكمة، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة، وألا تجعل من خلافاتها جسورا يعبر عليها الآخرون إلى مستقبلها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

