البوابة التي رسمها ابني ثلاثين مرة

حواجز إسرائيلية في البلدة القديمة (الجزيرة)

من نافذة منزلي أرى البوابة الصفراء كل يوم

ليست معبرا عاديا، ولا تفصيلا عابرا في الطريق. إنها بوابة حديدية على المدخل الرئيسي المؤدي إلى قرى الريف الغربي لبيت لحم، لكنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءا ثابتا من تفاصيل حياتنا اليومية.

لا يبدأ يومنا بالسؤال عن الطقس أو العمل أو الدراسة، بل بسؤال واحد يتكرر في الهواتف ومجموعات الجيران: هل البوابة مفتوحة اليوم؟ أم هناك إغلاق أو حاجز؟

الإجابة عن هذا السؤال أصبحت تحدد حركة الناس، ومواعيدهم، وأحيانا مزاج يوم كامل. أعيش في منزل يقع على مقربة مباشرة من هذا المدخل، لذلك أرى المشهد كما هو، بلا وسيط. أحيانا تغلق البوابة فجأة في الصباح الباكر، وأحيانا في منتصف النهار، وأحيانا في المساء. وفي أوقات أخرى تبقى مفتوحة، لكنها تتحول إلى نقطة تفتيش تسبب ازدحاما وتأخيرا وإرباكا مستمرا.

خلف كل دقيقة انتظار هناك حياة كاملة تتعطل.

طالب جامعي يخشى أن يفوته امتحان، موظف يقلق من التأخير عن عمله، أم تحاول إيصال أطفالها إلى المدرسة في الوقت المناسب، مريض ينتظر الوصول إلى موعد طبي قد لا يتكرر، وتاجر يرتبط رزقه بحركة الطريق.

وعندما تغلق البوابة بالكامل، يتغير المشهد تماما. يترك الناس سياراتهم على جانبي الطريق ويكملون سيرهم على الأقدام. في الصباح يتجهون إلى مدارسهم وأعمالهم وجامعاتهم مشيا، وفي المساء يعودون مرهقين بالطريقة نفسها، وكأن عبور بضعة أمتار أصبح رحلة يومية مفروضة عليهم.

ابني، الذي يبلغ من العمر ثماني سنوات، بدأ يرسم البوابة باستمرار. خلال الأشهر الماضية، رسمها أكثر من ثلاثين مرة. كل رسمة تختلف قليلا عن الأخرى، لكنها تدور دائما حول الشيء نفسه

مع الوقت، لم تعد البوابة مجرد حاجز مادي، بل أصبحت جزءا من الوعي اليومي للناس.

هناك مجموعات محلية على الهواتف لكل قرية، لا تستخدم فقط للتواصل الاجتماعي، بل لسؤال واحد متكرر: هل الطريق سالك؟ هل البوابة مفتوحة؟ هل يوجد حاجز؟

إعلان

هذا السؤال البسيط أصبح الشغل الشاغل للطلاب والعمال وسائقي التاكسيات والأمهات في كل المنطقة. وكأن الحياة كلها باتت معلقة على إجابة قصيرة قد تغير يوم الجميع.

لكن أكثر ما أثر بي لم يكن المشهد على الطريق، بل ما يحدث داخل البيت.

ابني، الذي يبلغ من العمر ثماني سنوات، بدأ يرسم البوابة باستمرار. خلال الأشهر الماضية، رسمها أكثر من ثلاثين مرة. كل رسمة تختلف قليلا عن الأخرى، لكنها تدور دائما حول الشيء نفسه: بوابة صفراء في منتصف الطريق، سيارات تنتظر، وأحيانا أشخاص يعبرون سيرا على الأقدام.

لم يسألني مرة لماذا يرسمها؟ لكنه لم يتوقف عن رسمها.

عندما تصبح بوابة عسكرية جزءا من خيال طفل، ندرك أن تأثيرها تجاوز الحركة والتنقل، ووصل إلى الذاكرة والطفولة وتشكيل الصورة الأولى للعالم.

المشكلة ليست في الإغلاق وحده، بل في حالة عدم اليقين المستمر؛ ألا تعرف متى ستتحرك، ولا كيف ستصل، ولا إن كان الطريق مفتوحا أم مغلقا. هذا النوع من الحياة يخلق ضغطا نفسيا يوميا يتراكم بصمت، ويؤثر على الأعصاب، والعلاقات، والإنتاجية، وحتى على أبسط تفاصيل الحياة الاجتماعية.

هذه ليست مجرد قضية طريق أو بوابة، بل قضية حياة يومية تدار تحت ضغط دائم، حيث تتحول أبسط حركة إلى احتمال غير مضمون. وربما أخطر ما في الأمر أن هذا الواقع يبدأ بالتحول إلى "طبيعي" مع الوقت

مع الوقت، يصبح الناس أكثر توترا، وأكثر عصبية، وأكثر إنهاكا. ليس لأنهم يريدون ذلك، بل لأن حياتهم تدار باستمرار عبر الانتظار والتأخير والتغيير المفاجئ.

هذه ليست مجرد قضية طريق أو بوابة، بل قضية حياة يومية تدار تحت ضغط دائم، حيث تتحول أبسط حركة إلى احتمال غير مضمون. وربما أخطر ما في الأمر أن هذا الواقع يبدأ بالتحول إلى "طبيعي" مع الوقت، وكأنه جزء لا يمكن تغييره من الحياة.

لكن لا شيء طبيعيا في أن يسأل طفل في الثامنة عن بوابة مغلقة قبل أن يسأل عن لعبه أو مدرسته. ولا شيء طبيعيا في أن تصبح البوابة موضوع الرسومات الأكثر تكرارا في طفولته.

قبل أيام، نظرت إلى رسوماته المعلقة في البيت. كانت البوابة حاضرة في معظمها. مرة مغلقة، ومرة نصف مفتوحة، ومرة محاطة بالسيارات والناس.

فكرت حينها: ماذا سيرسم هذا الطفل لو لم تكن هذه البوابة هنا؟

لهذا أكتب هذه الكلمات.

ليس عن بوابة حديدية فقط، بل عن حياة كاملة أصبحت تدور حولها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان