في تاريخ الأمم، هناك قادة يخلدهم التاريخ في صفحاته، وآخرون يحفظهم الناس في وجدانهم وذاكرتهم. وصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، جمع بين المكانتين، إذ شكلت مسيرته مشروعا وطنيا أعاد رسم ملامح دولة، وأرسى دعائم نهضتها الحديثة، ورسخ حضورها على الساحتين الإقليمية والدولية، فيما تجاوز أثر إنجازاته حدود قطر ليبلغ العالم العربي والعالم بأسره، تاركا إرثا سياسيا وإنسانيا وتنمويا سيظل حاضرا في ذاكرة الأجيال.
منذ ميلاده في الدوحة عام 1952، مرورا بتخرجه في أكاديمية ساندهيرست العسكرية، وتوليه ولاية العهد ووزارة الدفاع، ثم قيادته مسيرة التخطيط الوطني، وصولا إلى توليه مقاليد الحكم عام 1995، كانت كل محطة تمهد لما بعدها، حتى أصبحت قطر، خلال أقل من عقدين، نموذجا تنمويا لافتا.
في تلك السنوات، اتخذت الإنجازات طابعا إستراتيجيا غير مسار الدولة، فتكرست مكانة قطر كقوة عالمية في صناعة الغاز الطبيعي المسال، وانطلقت قناة الجزيرة لتصبح واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيرا، وأقر أول دستور دائم للدولة، وتعززت المشاركة الشعبية، ونالت المرأة حق الترشح والتصويت في انتخابات المجلس البلدي المركزي، كما أطلقت رؤية قطر الوطنية 2030، التي لا تزال تشكل الإطار المرجعي لمسيرة التنمية الشاملة.
يبقى القرار التاريخي الذي اتخذه عام 2013 بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني محطة فارقة في تاريخ دولة قطر، جسد من خلالها نهجا راسخا في ترسيخ استمرارية الدولة وتجدد قيادتها
وامتدت محطات البناء إلى التعليم والبحث العلمي عبر التوسع في المدينة التعليمية واستقطاب الجامعات العالمية، وإلى الاقتصاد من خلال إنشاء واحدة من أكبر المحافظ الاستثمارية السيادية في العالم، وإلى البنية التحتية التي هيأت قطر لتكون مركزا عالميا للأعمال والرياضة، وصولا إلى الفوز التاريخي باستضافة كأس العالم FIFA 2022، وهو إنجاز غير الصورة النمطية عن قدرة المنطقة العربية على تنظيم أكبر الأحداث الدولية.
لكن الإرث الحقيقي للأمير الوالد لا يقتصر على الإنجازات التنموية، فقد ارتبط اسمه أيضا بحضور إنساني لافت، جعل قطر في عهده شريكا في التخفيف من معاناة الشعوب المنكوبة، عبر دعم مشاريع التنمية والإغاثة وإعادة الإعمار في العديد من الدول العربية والإسلامية.
ولعل الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، يحتفظ بمكانة خاصة في هذا الإرث. فقد ارتبط اسمه بدعم مشاريع إعادة الإعمار والإسكان والبنية التحتية، وبزيارته التاريخية إلى غزة عام 2012، كأول زعيم عربي يدخل القطاع بعد سنوات من الحصار، في خطوة حملت أبعادا إنسانية وسياسية عميقة، ورسخت في ذاكرة الفلسطينيين موقفا لن ينسى.
لذلك، لم يكن مستغربا أن تتجلى مشاعر الحزن والدعاء في غزة، كما في عواصم عربية عديدة، عقب إعلان وفاته، تقديرا لما قدمه من مواقف ودعم امتد لسنوات.
وامتد حضوره، رحمه الله، إلى الوجدان العربي، حيث حظي بمكانة رفيعة واحترام واسع، بفضل ما قاده من نهضة شاملة وضعت قطر في مصاف الدول المؤثرة، وما انتهجه من سياسة قامت على تغليب الحوار، ودعم جهود الوساطة، وترسيخ قناعة مفادها أن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان، وأن الأمن والاستقرار يشكلان القاعدة التي تبنى عليها الدول وتزدهر المجتمعات.
محطات في حياة الأمير الوالد شكلت مسيرة قائد استثنائي، وأسست لمسيرة وطن ارتبط اسمه بالنهضة والإنجاز. وإرث تجاوز حدود العمران والمشروعات، ليترسخ في منظومة من القيم والرؤى التي أرست دعائم الدولة الحديثة
ويبقى القرار التاريخي الذي اتخذه عام 2013 بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني محطة فارقة في تاريخ دولة قطر، جسد من خلالها نهجا راسخا في ترسيخ استمرارية الدولة وتجدد قيادتها.
ومنذ ذلك الحين، واصل سموه قيادة مسيرة التنمية بثبات واقتدار، مستندا إلى الإرث الذي أرسى دعائمه الأمير الوالد، ومضيفا إليه إنجازات نوعية عززت مكانة قطر إقليميا ودوليا. وقد أثبت حضرة صاحب السمو أنه قائد حكيم ورزين، وحامي البلاد، وقائد نهضتها في مختلف الظروف، محافظا على أمنها واستقرارها، ومواصلا البناء على أسس رؤية وطنية جعلت من قطر نموذجا في التنمية والازدهار.
محطات في حياة الأمير الوالد شكلت مسيرة قائد استثنائي، وأسست لمسيرة وطن ارتبط اسمه بالنهضة والإنجاز. وإرث تجاوز حدود العمران والمشروعات، ليترسخ في منظومة من القيم والرؤى التي أرست دعائم الدولة الحديثة، وفي الأثر العميق الذي تركه في وجدان شعبه، وفي قلوب الملايين من أبناء الأمتين العربية والإسلامية، الذين رأوا فيه قائدا حمل همومهم، وناصر قضاياهم، ومد يد العون للمحتاجين، فاستحق مكانة ستبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

