- محكمة هانغجو ترسل إشارة عالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي
في الأيام الأخيرة من أبريل/نيسان 2026، وعشية الأول من مايو/أيار- عيد العمال- أصدرت المحكمة الشعبية الاستئنافية في مدينة هانغجو الصينية حكما قد يذكر لاحقا بوصفه من أبرز محطات تأطير علاقة الذكاء الاصطناعي بسوق العمل في القرن الحادي والعشرين.
الحكم القضائي الذي تتمحور وقائعه حول موظف لم يكشف من اسمه سوى لقبه "تشو"، أرسى مبدأ قانونيا بسيطا في صياغته، عميقا في أثره: "لا يجوز لصاحب العمل فصل عامل لمجرد أن نظاما ذكيا أصبح قادرا على أداء مهامه بأقل كلفة".
كان "تشو" قد التحق بشركة تكنولوجيا في هانغجو في عام 2022 براتب شهري قدره 25 ألف يوان (نحو 3640 دولارا)، وعمل على ضبط مخرجات النماذج اللغوية الكبيرة وتنقية المحتوى الحساس.
وفي عام 2024، قررت الشركة أن أنظمتها الذكية باتت قادرة على أداء مهامه، فعرضت عليه منصبا أدنى براتب 15 ألف يوان- أي بخفض يقارب 40%- ولما رفض، أنهت عقده. حكمت محكمة منطقة يوهانغ بأن الفصل غير مشروع، وأيدت محكمة الاستئناف الحكم، وأمرت الشركة بتعويض تجاوز 260 ألف يوان (نحو 38 ألفا و67 دولارا) وفق تقرير قناة "سي سي تي في".
واستند الاجتهاد القضائي إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي "خيار إداري إستراتيجي" وليس "تغيرا جوهريا في الظروف الموضوعية" بالمعنى الذي تشترطه المادة 40 من قانون عقد العمل الصيني لسنة 2008.
وقد سبق هذا الحكم قرار قضائي شبيه في بكين أواخر عام 2024 لصالح موظف يدعى "ليو" كان يعمل منذ عام 2009 في شركة خرائط قبل أن تستبدله بأنظمة جمع بيانات تلقائية وتنهي قسم منتجات الملاحة بأكمله.
والمشهد المتكون من حكمين متطابقين في ولايتين قضائيتين مختلفتين يكسب القرار قوة سياسة عامة، وإن ظلت الصين دولة قانون مدني لا تعتمد على السوابق القضائية بالمعنى الأنجلوسكسوني.
السؤال الذي يستحق التأمل ليس قانونيا في جوهره، بل هو بنيوي: لماذا تختار بكين، في ذروة سباقها على قيادة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي عالميا، أن تضع سياجا قانونيا حول استخدامه ضد العمالة (الحق في الشغل)؟
وثق صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف عالميا- وقرابة 60% في الاقتصادات المتقدمة- معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن نصفها سيستفيد من التكامل لا الإحلال
المحور الاقتصادي: حين تتحول "الكفاءة التكنولوجية" إلى "إزاحة للإنسان"
تتنزل قضية "تشو" في سياق موجة عالمية من تسريح العمالة باسم الذكاء الاصطناعي. وفقا لشركة "تشالنجر جراي آند كريسماس" (Challenger, Gray & Christmas)، استشهدت بالذكاء الاصطناعي كسبب مباشر لـ49 ألفا و135 عملية تسريح في الولايات المتحدة وحدها خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، إذ تصدر هذا السبب لأول مرة قائمة دواعي التسريح في مارس/آذار (15 ألفا و341 وظيفة) ثم أبريل/نيسان (21 ألفا و490 وظيفة، أي 26% من إجمالي التسريحات الشهرية).
وأعلنت "ميتا" تسريح 8 آلاف موظف- أي 10% من قوتها العاملة البالغة نحو 78 ألف شخص- لإعادة توجيه الموارد نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وفقا لما أعلنه مارك زوكربيرغ في أبريل/نيسان 2026.
غير أن قراءة هذه الأرقام تستلزم حذرا تحليليا. فمنظمة العمل الدولية– في أحدث تحديث لمؤشرها العالمي للتعرض المهني للذكاء الاصطناعي التوليدي- خلصت إلى أن متوسط درجة الأتمتة بلغ 0.29 في عام 2025 (مقابل عام 2023)، أي أن التأثير الغالب للتقنية سيكون "تعزيزيا" لا "إحلاليا".
كما وثق صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف عالميا– وقرابة 60% في الاقتصادات المتقدمة- معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن نصفها سيستفيد من التكامل لا الإحلال. أما تقرير "مستقبل الوظائف 2025" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي فيقدر أن 92 مليون وظيفة ستزاح بحلول عام 2030 مقابل خلق 170 مليونا، أي بصافٍ إيجابي قدره 78 مليونا- غير أنه صاف يخفي خلف معدلاته توزيعا قاسيا للخسائر على الفئات الأضعف.
هذا الانفصام بين الأرقام الكلية والواقع الفردي هو ما يفسر منطق الاجتهاد القضائي الصيني. فحتى لو كان الذكاء الاصطناعي يخلق وظائف أكثر مما يزيح، فإن تكاليف الانتقال التكنولوجي يتحملها أفراد بعينهم: الموظفون متوسطو العمر، والإداريون، والعاملون في المهام المعرفية الروتينية.
وقد صاغ الباحثان الدوليان (دارون عاصم أوغلو وباسكوال ريستريبو) إطارا نظريا لهذا التوتر بين التكنولوجيا والحق في الشغل منذ عام 2019 حين ميزا بين "أثر الإزاحة" (الذي يخفض الطلب على العمل) و"أثر الإنتاجية" (الذي يرفعه عبر التكامل وخلق المهام)، مع التشديد على أن الميزان يميل لصالح الإزاحة كلما اقتصرت الأتمتة على استبدال البشر دون توليد مهام جديدة.
ومن ثم، فإن المحكمة الصينية- بإصرارها على إعادة التأهيل والإسناد المعقول قبل الإنهاء- لا تعطل الانتقال التكنولوجي، بل تلزم رأس المال والشركات بتحمل جزء من ثمن التحول بدلا من تحميله كاملا لكاهل العامل.
تتجه الشركات الكبرى نحو ما سماه سام ألتمان- الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي"- ظاهرة "الغسيل بالذكاء الاصطناعي" (AI washing)، أي استخدام التقنية ذريعة لتسريحات كانت ستحدث لأسباب أخرى
المحور الاجتماعي: العامل بوصفه ذاتا قانونية لا "كلفة قابلة للحذف"
في عمق الحكم حكمة فلسفية أعمق مما يبدو من الصياغة القانونية. حين قال القاضي شي قوه تشيانغ من محكمة هانغجو لقناة "سي سي تي في": "لا نعتقد أن تقنية الذكاء الاصطناعي قد بلغت نقطة يمكنها فيها أن تحل محل العمال البشر بصورة جوهرية"، فإنه لم يكن يصدر رأيا قانونيا بقدر ما كان يعيد تأكيد مكانة العامل بوصفه ذاتا قانونية لا تختزل في تكلفة على ميزانية عمومية.
وقد علق وانغ تيان يو، الباحث في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، بصياغة يمكن قراءتها بوصفها تعبيرا موجزا للحظة الراهنة: "قد يكون التقدم التكنولوجي حتميا، غير أنه لا يمكن أن يوجد خارج إطار قانوني".
تكتسب هذه الجملة وزنا خاصا حين تقرأ في سياق ما يصفه فاليريو دي ستيفانو وآخرون بأن قانون العمل الحديث يعاني توترا متصاعدا بين السلطة الإدارية والامتيازات الخوارزمية من جهة، وحقوق العمل الأساسية من جهة أخرى.
فبينما تتجه الشركات الكبرى نحو ما سماه سام ألتمان- الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي"- ظاهرة "الغسيل بالذكاء الاصطناعي" (AI washing)، أي استخدام التقنية ذريعة لتسريحات كانت ستحدث لأسباب أخرى، تأتي المحكمة الصينية لتلقي على عاتق صاحب العمل عبء الإثبات: "بأن الذكاء الاصطناعي ليس قرارا إستراتيجيا داخليا، بل صدمة خارجية غير متوقعة".
وهذا تحول ذكي لمنطق التفاوض، يذكرنا بأن قانون العمل، كما صاغه دارون عاصم أوغلو وسايمون جونسون في كتابهما "السلطة والتقدم"، لم يكن قط نتاجا طبيعيا للنمو التكنولوجي، بل ثمرة صراع طويل على توزيع ثمار التقدم.
ولا يمكن قراءة المشهد دون استحضار بعدين اجتماعيين صينيين: ارتفاع معدل البطالة بين الشباب الحضري (16-24 سنة) إلى 16.9% في مارس/آذار 2026 وفقا للمكتب الوطني للإحصاء الصيني، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025؛ وفلسفة "الازدهار المشترك" التي تعد بإعادة توزيع ثمار النمو.
فالحكم القضائي إذن، ليس مجرد تأويل قانوني، بل أداة حوكمة سياسية لاستيعاب اضطرابات سوق العمل في اقتصاد يعاني انكماشا وتزايدا متصاعدا لاستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وقد أعلنت وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الصينية في 27 يناير/كانون الثاني 2026 عن نيتها إصدار وثيقة سياسية شاملة حول أثر الذكاء الاصطناعي على التشغيل، تتضمن دعم القطاعات المتأثرة وبرامج تأهيل بينية للخريجين.
يمكن قراءة الحكم القضائي لمحكمة هانغجو بوصفه إشارة سياسية مزدوجة: داخليا، يطمئن العمال على أن سرعة التبني التكنولوجي لن تكون على حسابهم؛ وخارجيا، يقدم بكين بوصفها سلطة قادرة على "أنسنة" الذكاء الاصطناعي
المحور الجيوسياسي: نموذجان متنافسان لحوكمة الذكاء الاصطناعي
هنا يصبح المشهد أكثر إثارة للاهتمام. تقدم الصين- عن قصد أو دونه- نموذجا بديلا للنموذج الأمريكي السائد القائم على مبدأ "التوظيف وفق الإرادة" (at-will employment)، وهو مبدأ يسمح لصاحب العمل في 49 ولاية أمريكية من أصل 50 بإنهاء العقد لأي سبب لا يحظره القانون صراحة، والاستبدال بالذكاء الاصطناعي ليس من الأسباب المحظورة.
وقد قدم السيناتوران جوش هاولي ومارك وارنر في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مشروع قانون "إيه آي-ريليتد جوب إمباكتس كلاريتي أكت" (AI-Related Job Impacts Clarity Act) (S.3108) الذي يلزم الشركات الكبرى بتقارير ربع سنوية لوزارة العمل حول التسريحات المرتبطة بالأتمتة، لكنه لا يزال محالا إلى لجنة الصحة والتعليم والعمل والمعاشات في مجلس الشيوخ، ولا يبدو في طريقه للإقرار في الكونغرس الحالي.
في المقابل، يمثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (Regulation (EU) 2024/1689) موقفا وسطا: فهو يصنف أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في القرارات الوظيفية بوصفها "عالية المخاطر"، ويفرض على أصحاب العمل بموجب المادة 26(7) إبلاغ النقابات والعمال المتضررين قبل نشر هذه الأنظمة في مكان العمل.
غير أن هذه الالتزامات لا تصل إلى منع التسريح المسبب بالذكاء الاصطناعي ذاته، بل تقف عند حد الشفافية الإجرائية والإشراف البشري. وقد دفعت المفوضية الأوروبية بحزمة "ديجيتال أومنيبوس" (Digital Omnibus) في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لاحتمال تأجيل تطبيق المتطلبات إلى ديسمبر/كانون الأول 2027، مما يبين أن أوروبا ذاتها تتلكأ في الترجمة التنفيذية لمبادئها.
وعلى المستوى المعياري الدولي، تتسابق ثلاثة أطر دولية: توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021)، التي تتبناها الدول الأعضاء الـ193 وتدرج "العمل والاقتصاد" ضمن الأحد عشر مجالا سياسيا، الملزمة للدول بإدارة آثار الذكاء الاصطناعي على التوظيف ودعم "التحولات العادلة"؛ والاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون- وهي أول معاهدة دولية ملزمة قانونيا في هذا الحقل، فتح باب التوقيع عليها في فيلنيوس في 5 سبتمبر/أيلول 2024، ووقعها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أخرى؛ ومبادرة "الذكاء الاصطناعي +" الصينية التي يتوقع لقطاعاتها أن تتجاوز قيمتها 10 تريليونات يوان بحلول نهاية الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030).
في هذا الإطار، يمكن قراءة الحكم القضائي لمحكمة هانغجو بوصفه إشارة سياسية مزدوجة: داخليا، يطمئن العمال على أن سرعة التبني التكنولوجي لن تكون على حسابهم؛ وخارجيا، يقدم بكين بوصفها سلطة قادرة على "أنسنة" الذكاء الاصطناعي. وهو موقف يستثمر فيه الخطاب الصيني بنشاط، حيث وصفت المحكمة في بيانها أن "تطوير تقنية الذكاء الاصطناعي يهدف إلى تعزيز التوظيف والرفاه الإنساني".
هل سنصمم "عقدا اجتماعيا خوارزميا" تقتسم فيه ثمار الإنتاجية بين رأس المال والعمل والمجتمع؟ أم سنترك السوق لتقرر، فنفاجأ يوما بأن أكبر تحول اقتصادي منذ الثورة الصناعية وقع دون أن نعد له تشريعا واحدا؟
نحو "عقد اجتماعي خوارزمي"
ما يجعل قضية "تشو" مهمة ليس قيمة التعويض ولا حتى التفسير القانوني للمادة 40 من قانون عقد العمل الصيني. ما يجعلها مهمة هو أنها وضعت- للمرة الأولى في اقتصاد كبير- حدودا قضائية واضحة على ما يمكن أن نسميه "السلطة الأحادية للخوارزمية" على عقد العمل. وفي زمن تتحدث فيه شركات وادي السيليكون عن "العامل المضاعف بالذكاء الاصطناعي" والمستثمرون عن "صافي عائد على الأتمتة"، تأتي محكمة هانغجو لتقول بهدوء: العامل ليس عاملا في معادلة، بل صاحب حق.
السؤال الذي يطرحه هذا الحكم على بقية العالم- وعلى الاتحاد الأوروبي تحديدا، وعلى الدول التي تتأهب لاستيراد الذكاء الاصطناعي قبل أن تستورد ضماناته- هو: هل سنصمم "عقدا اجتماعيا خوارزميا" تقتسم فيه ثمار الإنتاجية بين رأس المال والعمل والمجتمع؟ أم سنترك السوق لتقرر, فنفاجأ يوما بأن أكبر تحول اقتصادي منذ الثورة الصناعية وقع دون أن نعد له تشريعا واحدا؟ الإجابة، إن صح تشخيص محكمة هانغجو، لن تأتي من المهندسين، بل من القضاة والمشرعين والنقابات والمواطنين. وعلى الأرجح من الجميع معا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
