- اغتيال الحقيقة.. إستراتيجية الاحتلال الإسرائيلي في حصار الرواية الفلسطينية
غدا واضحا أن الاستهداف الإسرائيلي للإعلام الفلسطيني بكل مكوناته يأتي في سياق مخطط محكم يرمي إلى حصار الرواية الفلسطينية، وقطع سبل وصولها إلى المحافل الدولية، بما يخلي الساحة تماما أمام رواية الاحتلال التي تسعى إلى شيطنة الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في المقاومة والتحرير وتقرير المصير.
إن المساس بحق الشعوب في المعرفة، وحرمان الضحايا من استنهاض ضمائر الأحرار، وإضعاف حركة التضامن الدولي، تشكل مجتمعة الأهداف الجوهرية لهذا الاستهداف الشامل.
ولد الاستهداف حالة من «العزل القسري»، إذ بات المواطنون يخشون التعامل مع الصحفيين أو استضافتهم خشية القصف، مما فرض على الصحفيين تشتتا أسريا مؤلما وصعوبات بالغة في تأمين السكن البديل
لقد طال العدوان الإسرائيلي الصحفي الفلسطيني قتلا وجرحا، واعتقالا وتعذيبا، وتحريضا سافرا وصل حد تبرير جرائم اغتيال الصحفيين باتهامات واهية.
ولم تنجُ المؤسسات الإعلامية من التدمير والتعطيل والتشكيك بمهنيتها، في حين تعرضت الكلمة والصورة الفلسطينية للحجب والملاحقة عبر فضاء الإعلام الرقمي، بالتوازي مع منع دخول معدات السلامة المهنية وسيارات البث الفضائي منذ سنوات.
لقد أفضى هذا الاستهداف الوحشي إلى خسارة فادحة في الكوادر الإعلامية المتميزة، وأثر بشكل مباشر على قدرة الإعلام الفلسطيني على أداء رسالته بالاحترافية المعهودة، وتسبب في إرباك السردية الوطنية بعض الشيء.
كما ترتب على ذلك تحول مقلق في سياسات الوكالات الدولية؛ إذ باتت تتجنب الاعتماد على مراسليها الأساسيين خشية استحقاقات استهدافهم، مؤثرة الاستعانة بكوادر «العمل الحر» (فريلانس) للتنصل من التزاماتها المادية والمعنوية في حالات الاستشهاد أو الإصابة. بل ذهبت بعض تلك الوسائل إلى أبعد من ذلك، بإنهاء خدمات صحفيين فلسطينيين بذرائع واهية كالتحريض أو الانحياز للحق الوطني.
أما اجتماعيا، فقد ولد الاستهداف حالة من «العزل القسري»، إذ بات المواطنون يخشون التعامل مع الصحفيين أو استضافتهم خشية القصف، مما فرض على الصحفيين تشتتا أسريا مؤلما وصعوبات بالغة في تأمين السكن البديل.
وعلى صعيد الكفاءات، أدى العدوان إلى نزوح قسري لعشرات الخبرات الإعلامية نحو الخارج، فضلا عن فقدان المئات مصادر دخلهم نتيجة توقف الصحف والإذاعات إثر تدمير البنية التحتية.
المطلوب هو تحرك قانوني جاد لملاحقة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية، ودعم الصحفيين ميدانيا بمعدات السلامة وتعويضهم عن خسائرهم اللوجيستية
إن هذا الواقع كشف عن عجز صارخ في المنظومة الدولية؛ إذ بدت المواثيق الأممية واتفاقيات جنيف قاصرة عن توفير أدنى حماية للصحفي الفلسطيني، بل وظهر تماهٍ لبعض الإعلام الدولي مع التحريض الإسرائيلي عبر تجاهل توثيق جرائم استهداف زملائهم أو محاولة تبريرها.
لذا، فإن المؤسسات الدولية مطالبة اليوم بتجاوز مربعات الإدانة والاستنكار التي لم توقف شلال الدماء النازف، حيث ارتقى أكثر من 260 صحفيا وصحفية شهداء منذ بداية العدوان.
إن المطلوب هو تحرك قانوني جاد لملاحقة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية، ودعم الصحفيين ميدانيا بمعدات السلامة وتعويضهم عن خسائرهم اللوجيستية.
ختاما، ينبغي إيلاء اهتمام فائق ببرامج الدعم النفسي التخصصي للصحفيين الذين عاينوا مشاهد الأشلاء والمآسي الإنسانية على مدار أكثر من عامين؛ لضمان استقرارهم وقدرتهم على مواصلة أداء رسالتهم السامية في نقل الحقيقة للعالم.
وعدا ذلك، فإن التغني بشعارات حرية الصحافة في الثالث من مايو/أيار من كل عام لا يعدو كونه مجرد طقوس سنوية وبروتوكولات باهتة لا تغني ولا تحمي من بطش الاحتلال وأعداء الصحافة، ما لم تترجم إلى أفعال حقيقية تحمي الصحفي الفلسطيني وتصون حرية العمل الإعلامي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

