أن تكون نفسك أعظم إنجاز في زمن الزيف

مفهوم النجاح المعاصر بمفهوم الفلاح في القرآن الكريم (ذكاء اصطناعي)
الكاتب: الإنجازات تظهر بشدة أيضا في مقاومتنا التحول إلى وحوش في زمن يستدعي هذا حقا لا مجازا (مولدة بالذكاء الاصطناعي - الجزيرة)

في استعراض إنجازاتك السابقة والتخطيط لإنجازات جديدة، لا تنس إنجازاتك الصغيرة، ولا تنس أن تكون نفسك، فقط نفسك.

في فترات مختلفة على مدار كل عام، وبالأخص في نهاية كل عام، نرى العديد ممن يشاركون إنجازاتهم ويبدؤون في التخطيط لما ينوون فعله، وهذا يحدث بالطبع على منصات الاستعراض الاجتماعي.

لكن لماذا، من بين كل تلك الإنجازات، لا أحد يذكر إنجازا حقيقيا عاديا؟ لماذا يعتقد الكثيرون أن الإنجاز لا بد أن يكون شيئا خارقا للعادة؟ هل هذا متعلق بمفهوم الإنجاز كمصطلح، أم بثقافة مجتمع لا يرى في الأشياء العادية إنجازا ولا يعترف بإمكانيات الأشخاص العاديين؟ أم له علاقة بالمقارنات والاستعلاء بين الناس وبعضهم، كأنهم في سباق لا نهاية له، كاستعلاء ابن خالتك عليك بمجموعه الدراسي أو العكس مثلا؟

الإنجاز ليس فقط شيئا ماديا ملموسا، بل في رأيي، وعلى عكس السرب المتسابق بعضه مع بعض في سباق أبدي لا حد له، أرى أن الإنجازات الحقيقية تكمن في البساطة، في أن تكون نفسك، فقط نفسك.

ففي عالم مليء بالزيف والتصنع، حتى أصبحت الطبيعة فيه شيئا غريبا يكاد يكون منبوذا، فأن تكون نفسك، تقول ما تقول، وتفعل ما تفعل لأنه نابع من داخلك، وليس لأن الناس تفعل كذا أو لأن المجتمع يملي عليك كذا، هذا وحده إنجاز سيجعل منك إنسانا حقيقيا استثنائيا بحق.

السباقات التي لا داعي لها، ليست لنا ولا تلزمنا، لأنها لا تشبهنا، وتجعل حياتنا عبارة عن أرقام فقط، بدون روح، وحياة!

أرى الإنجازات تظهر بشدة أيضا في مقاومتنا التحول إلى وحوش في زمن يستدعي هذا حقا لا مجازا، في مقاومة الخيول السوداء بداخلنا ومحاولة التغلب عليها بالخيول البيضاء التي تعبت من المحاولة، في الوقوف بجانب الحق مع المظلوم ضد الظالم.

وهذا يعد إنجازا حقيقيا كبيرا لا يقوى عليه كثيرون ممن يملكون موازين القوة والعتاد.

إعلان

أراها كذلك في محاولة التعافي من ماض جميل لم نعش زمنا مثله ثانية، ومن ذكريات أليمة لم نتجاوزها بعد، ومن حب أفلاطوني، أو علاقة حب بترت من منتصفها ولم تكتمل قصتها.

أراها في تقبل الهزيمة والخسائر، وفي مواساة النفس والأهل والرفاق على ما يصيبهم من متاعب الحياة، وفي التربيت على كتف المحزونين، وفي مشاركة الخطوات الناجحة أو الفاشلة مع المقربين، وفي صلة الأرحام، وفي التخفف من الخصومة والعداوات، وفي اللقاء بعد الفراق، وفي تجاوز الفراق الذي لا لقاء بعده، وفي محاولة التسليم وتقبل القدر خيره وشره.

وأراها كذلك في أكثر الأشياء بساطة، في ترتيب السرير والمنزل، في إعداد وتناول وجبة نحبها، في قراءة هادئة، في جلسة عائلية مطولة نختطفها من بين مشاغل الحياة والعمل، تتخللها أحاديث نفتقد وجودها، وفي حب انتصر رغم كل المخاوف والزمن.

هذا ما أراه إنجازا حقيقيا يجب أن نحتفي به بيننا وبين أنفسنا، أو مع أحبتنا. أما السباقات التي لا داعي لها، ليست لنا ولا تلزمنا، لأنها لا تشبهنا، وتجعل حياتنا عبارة عن أرقام فقط، بدون روح، وحياة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان